Friday, 12 July 2019

المضخة اللاهوائية وسيلة لحفظ منتجات التجميل طازجة لأطول فترة ممكنة


مصطفى حميدو

تعتبر المواد الحافظة مادة أساسية في عملية تصنيع المنتجات المختلفة التي يشكل الماء و المواد العضوية جزء من تركيبها. فالمواد الحافظة وظيفتها الأساسية هي إطالة عمر المنتج و إطالة فترة تخزينه بشكل أساسي و تاليا عملية تسويقه. في منتجات العناية الشخصية و خاصة في الكريم و اللوشن حيث يشكل الماء جزءا أساسيا من تركيبتهما تزداد أهمية المواد الحافظة. فالماء كما هو معروف وسط لنمو البكتيريا و الفطريات التي تؤدي الى افساد المنتج و جعله غير صالح للاستعمال. عادة حتى تتهيأ الظروف لنمو هذه الكائنات الدقيقة يتوجب وجود وسطين مائي و هوائي. فمن دون الهواء لا يمكن نمو هذه الميكروبات و لا يمكن تاليا إفساد هذه المنتجات.  عادة من تاريخ فتح و لنقل علبة الكريم تصبح المادة الموجودة في العلبة على تماس مباشر مع الهواء و تصبح المدة المحتملة لتخزينها و هي سليمة قليلة. فبتعريض المادة للهواء تبدأ رحلة الفساد و التي تختلف من منتج لأخر حسب نوع و كمية المواد الحافظة الموجودة. مهما كانت قوة المادة الحافظة ففي النهاية سيكون المنتج معرضا للفساد نتيجة وجود الماء و تعرضه للهواء.  بمرور الزمن تنخفض جودة المادة الموجودة في علبة الكريم مثلا حتى تفسد تماما.
إن عملية تقليل ملامسة الهواء للكريم في العلبة و تقليل فترة تعرضه للهواء يسهمان في إطالة مدة صلاحية الكريم على سبيل المثال  و عدم تعرضه للفساد مبكرا. نحن هنا أمام عملية تؤدي الى الحفاظ على جودة الكريم لأطول فترة ممكنة.  تخيلوا طريقة تجعل الكريم لا يلامس الهواء و تخيلوا أيضا تقليل كمية المواد الحافظة الموجودة في الكريم: هل هذا ممكن؟ 
نعم ممكن. لقد أضحت هذ العملية ممكنة عبر تطوير عبوات جديدة للكريمات و اللوشينات و غيرها. هذه العبوات اتت بطريقة جديدة لاستعمال الكريم مختلفة نوعا ما عن الطرق القديمة. نحن نعرف أن عددا من الشركات تستخدم علبا ذات رؤوس يخرج منها الكريم بمجرد الضغط عليها. انها عبوات تشبه عبوات العطر لكن كمية الكريم التي تخرج بعد الضغط على هذه الرؤوس تكون أكبر. هذه العلب موجودة في السوق و عند كثير من الماركات. المشكلة ان هذ العلب التي تستعمل الضغط لصرف كمية الكريم المحددة تواجه عائقا في حفاظها على جودة الكريم الباقي في العلبة. فكلما خرجت كمية من الكريم من رأس العلبة حل مكان حجم الكريم الخارج كمية من الهواء  لها نفس الحجم داخل العلبة. وجود الهواء سيقلل من جودة الكريم مع مرور  الوقت و سيؤدي إلى فساده بشكل أسرع و لهذا السبب نرى كثيرا من الشركات تكتب على علبه الكريم بأنه يفضل استخدامه بعد فتحه خلال مدة ستة أشهر مثلا. هم بهذه العبارة لا يضمنون جودة منتهم بعد فتح العلبة الا لستة أشهر. هم يعرفون أن جودة المنتج ستقل بعد الفتح لسبب بسيط و هو تعرض المنتج للهواء و إنشاء وسط مناسب لنمو الكائنات الدقيقة التي تفسده.
لقد تم تطوير تكنولوجيا تؤدي المطلوب من حفظ الكريم داخل وسط يسهل من خلاله استعماله و في نفس الوقت يطيل صلاحية الكريم و يقلل تعرضه للفساد. هذه التقنية لا تفعل ذلك فقط بل أيضا تقلل كمية المواد الحفظة المستخدمة في تصنيع الكريم و حتى أنها تغنينا عن استعمال أي مادة حافظة في تصنيع الكريم. السر هو في تقليل أو منع ملامسة الهواء للكريم و بالتالي منع تشكيل وسط ملائم لنمو الميكروبات و بالتالي فساد الكريم.
العلبة تشابه تقريبا العلبة المستخدمة الكلاسيكية في تعبئة الكريمات. الفرق فقط أن العلبة المبتكرة تدعى العلبة اللاهوائية. من خلال الإسم نستطيع أن نفهم الفكرة و هو عدم وجود الهواء كوسط يلامس الكريم و يساهم في صرف الكريم عن طريق رأس العلبة. الصورة الملحقة هي شك االعلبة المبتكرة. إنها علبة تشابها العلب العادية لكن التفاصيل الداخلية هي التي تفرقها عنها.

التفاصيل كما قلنا تختلف. الصورة التالية تخبرنا عن هذا الاختلاف. فهنا نلاحظ وجود فتحة في أسفل العلبة و قرص متحرك داخلها. هنا يكمن السر كله في جعل هذه العلبة تقنية متطورة.



إن وظيفة القرص هي الحركة داخل العلبة. ففي كل مرة يضغط على رأس العلبة يتم صنع قوة جاذبة للكريم على سبيل المثال فيخرج من رأس العلبة. في هذه الحالة يتم صنع فراغ داخل العلبة يساوي في حجمه كمية الكريم الخارجة من العلبة. في العلب الكلاسيكية يحل الهواء محل الكريم لكن في هذه العلبة يتحرك القرص  السفلي ليمنع تشكل هذا الفراغ . يتحرك القرص للأعلى بمساعدة الهواء الذي يدخل من الفتحة السفلية. في كل مرة يتم استخدام الكريم يتحرك القرص نحو الأعلى مانعا تشكل فراغ يمكن أن يحتله الهواء و يفسد الكريم.
 التقنية نظريا فكرة بسيطة لكن الفائدة التي تخلقها فائدة كبيرة جدا أولها و ببساطة هي الحفاظ على جودة الكريم لأطول فترة ممكنة . هذه الجودة جودة تماثل جودته عند فتح العلبة لأول مرة. الفائدة الأخرى المهمة هنا هي التوقف عن استخدام أو دعونا نقول تقليل استخدام المواد الحافظة في التصنيع و هذه مواد تستخدم بنسب صغيرة كونها مواد في أحيان كثيرة خطرة أو حتى غير معروفة المخاطر بشكل كامل.

Share:

Sunday, 30 June 2019

المجلس الدولي لتنسيق المتطلبات التقنية للأدوية البشرية (ICH)


المجلس الدولي لتنسيق المتطلبات التقنية للأدوية البشرية (ICH)



مصطفى حميدو

مقدمة
لا يستطيع أن يعيش العالم دون قوانين تضبط حركته في كل مفصل. فلكل قطاع من قطاعات النشاط العالمي قوانين تضبطه و تجعل من أنشطته انشطة تنتظم ضمن سياق مضبوط. الهدف الرئيسي للأنظمة التي توضع هو خلق إطار جامع يتوافق عليه كل ذوي العلاقة للخروج بمنتج ذا قيمة و جودة. الجودة ترتبط ارتباطا عضويا بالقانون الذي ينظمه. فالفوضى تخفض الجودة بل و تجعلها أمرا غير موجود و القانون و النظام يرفع مستوى الجودة و يرفع الذائقة أيضا. تخيلوا كرة القدم بلا انظمة و لا قوانين تضبطها فما الذي كنا سنشاهده؟  كنا ببساطة سنشاهد الفوضى و الخلاف حول أتفه الجزئيات المتعلقة باللعبة و سنشاهد كل بلد يضع قانونه الخاص باللعبة و ستفقد اللعبة أهم ما يميزها و هي عالمية القانون الذي يحكمها و الذي يخرج لنا ما نره. في كرة القدم تضطلع منظمة الفيفا بهذا الدور. فهي المسؤولة عن وضع قوانين اللعبة و تطويرها و تحسين جودتها و نشرها. من دون قوانين الفيفا كانت اللعبة ستصبح بلا اطار يضبطها و ستتخذ كل دولة القانون الذي تراه مناسبا لها و ستصبح اللعبة بعد سنوات قليلة شيئا مختلفا تماما عما نشاهده اليوم. إن مثال الكرة و الفيفا هو مثال يسري تقريبا على كل القطاعات في العالم. فلكل قطاع هيئة أو مجلس أو منظمة تضع الأسس التي تقوننه و تطوره و ترفع من جودته.

تمهيد
تعد صناعة الدواء من الصناعات الكبيرة في العالم  ذات العائدات الكبيرة جدا و  تعتبر عمليات تطوير الدواء من العمليات المكلفة و المعقدة جدا و التي تعتبر عمليا عملية مخاطرة غير مضمونة النتائج. فتطوير أي دواء يكلف قرابة من 2 مليار الى 10 مليار دولار و يحتاج إلى مدة زمنية قد تقارب العشر سنوات. إن الأسس التي تعتمد عليها عملية تطوير الدواء هي أسس علمية معقدة و مكلفة و أي خطأ او سوء تقدير سيشكل عمليا كارثة للمطور و للمسوق و على المالك لحوق التسويق. لا يمكن لصناعة كهذه الصناعة المعقدة أن تكون بلا أسس و معايير خاصة بها تضبط جودة المنتج النهائي و تضبط أمانه و فعاليته. فغاية الصناعة الدوائية هو تقديم دواء فعال و اّمن و ذا جودة عالية. و للوصول إلى هذه النتيجة تتبع الهيئات العالمية المختصة بالدواء قواعد معينة تضبط هذه العملية. ففي الولايات المتحدة هناك هيئة الغذاء و الدواء الاميركية و مثل هذه الهيئة تتواجد في كل االدول التي تطور الأدوية من كندا إلى الاتحاد الأوربي إلى اليابان و استراليا. كانت المشكلة دوما هي في التنسيق بين هذه الهيئلات. فكل هيئة من هذه الهيئات لها الأسس العلمية الخاصة بها التي تفرض على مطوري الدواء تطبيقها. عملية تعدد الهيئات و تعدد اشتراطاتها و طلباتها يجعل من الدواء منتجا مكلفا. فالطلبات و تعقيداتها تجبر مطوري الدواء على سلوك طرق متعددة للوصول إلى منتج واحد يناسب كل الأسواق. هذه الطرق و الالتزام بها يجعل من الدواء منتجا مكلفا للغاية أولا و معقدا في تطويره و تسويقه.
من هنا نشأت فكرة التنسيق بين الهيئات العلمية العالمية لوضع أسس موحدة لعملىة تطوير الدواء و ضبط جودته و فعاليته و أمانه و من هنا أيضا بدأت الخطوات لتأسيس كيان يضم هذه الكيانات العلمية العالمية.


الإنشاء
كانت أوروبا سباقة في إنشاء هيئة تنظم عملية تطوير و تصنيع الدواء و هي الهيئة الأوروبية للدواء. كان إنشاء الإتحاد الأوروبي خطوة نحو توحيد الأطر التنظيمية للصناعات الدوائية في أوروبا. و بإنشاء اهيئة الدواء الأوربي أضحت مسألة إنشاء هيئة دولية تعنى بوضع  الأطر التنظيمية للدواء مسألة مطروحة للنقاش و بقوة خصوصا بين الهيئات العلمية الدوائية الرئيسية في العالم كهيئة الغذاء  الدواء الأميركية و اليابان و هيئة الدواء الأوروبية. في البداية تم إنشاء اتحاد دولي للمصنعين و للهيئات الدوائية الدولية،كان هذا بعد العام 1989. في السنة التالية تم إنشاء ال   ICH في لقاء عقد في بروكسل كمؤتمر دولي لتنسيق المتطلبات التقنية للأدوية البشرية و حضره ممثلي الصناعات و هيئات الغذاء و الدواء العالمية الرئيسية من اوروبا و الولايات المتحدة و اليابان. هدف هذه اللجنة كان أساسا هو تحقيق التنسيق بين المواضيع المختلفة التي لها علاقة بتصنيع الدواء و لها علاقة بجودته و امانه و فعاليته. هذا المؤتمر تحول لاحقا لمجلس دولي لتنسيق المتطلبات التقنية للأدوية البشرية و أضحى  منذ العام 2015مسجلا كمنظمة غيرربحية في سويسرا.
 الأهداف
تتلخص أهداف هذا المجلس في تحقيق التنسيق الكامل بين الدول الأعضاء و المراقبين في تطبيق المتطلبات التقنية اللازمة للصناعات الدوائية و تنسيق عمليات و متطلبات التسجيل و التصنيع و تحقيق حوار فعال بين الأعضاء و الهيئات لدوائية لتحقيق هذا التنسيق. تعد الصحة و المحافظة عليها هدفا أساسيا لهذا المجلس عبر تحقيق التكامل و التنسيق بين المجالس الدوائية المختلفة لتطوير معايير الجودة و السلامة الدوائية المتعلقة بالتصنيع الدوائي و متطلباته التقنية. إن الهدف الأكبر الذي كان أساسا عاملا مهما في إنشاء هذه المجلس هو في تجنب التشعب في متطلبات التسجيل الدوائي عبر عملية تنسيق في المواضيع الهامة و تجنب تفرد كل بلد و هيئتها الخاصة بالدواء بمتطلباتها الخاصة أي إيجاد إطار واحد لعمليات التطوير و التسجيل الدوائي. بشكل عام يمكن القول أن هدف المجلس الدولي للتنسيق هو عمليا تطوير و تحسين و تنسيق كل الجهود التي تسهم في تطوير صناعة دوائية عالمية ذات جودة و امان و فعالية و تبني كل الأساليب العالمية و التقنية للوصول إلى ذلك عبر خلق إطار جامع للهيئات الدوائية الدولية ينسق بينها و يمنع التشعب في الإجراءت التي تتخذها للوصولل إلى هذه الهدف.

الأعضاء و المراقبون
يبلغ عدد أعضاء هذ المجلس 16 عضوا يمثل دولا و مصنعين بالإضافة إلى مراقبين يبلغ عددهم 32 مراقبا بين دول و هيئات إقليمية و متأثرين من هيئات دولية بما يصدر عن هذا المجلس. تعد السعودية و الأردن الدولتين العربيتين الوحيدتين في لائحة المراقبين و قد تم قبولهما أخيرا كمراقبين في الإجتماع الذي عقد في أمستردام بين 1 و 6 يونيو/حزيران من العام الحالي 2019. إن هذا المجلس هو هيئة دولية تختص بالدواء و إقرار الانظمة المتعلقة به و هو كأي منظمة دولية يطمح الجميع ليكونوا أعضاء فيه للتأثير و لتحقيق مصالح الدول الأعضاء.

Share:

Friday, 31 May 2019

من يدفع سورية للتشظي؟


هناك جهة تدفع البلد نحو التشظي و التفكك.. لا أعرف موقعها و لكن لها وجود قوي داخل السلطة و هذا واضح لا لبس فيه.
السؤال الذي أريد أن أطرحه هنا: هل لهذه البلاد هوية أم أننا دولة ملحدة بلا هوية؟ صعقت و أنا أقرأ ما يتفوه به بعض السوريين من هجوم على الإسلام كإسلام( و هو للمفارقة دين غالبية السوريين) و وصف الملتزمين بالدعوشة.. هؤلاء يقولون أنهم علمانيون و هي ليست مشكلة أبدا لكن المشكلة أنهم ليسوا كذلك أبدا. هؤلاء نوعان.. النوع الأول طائفي يعتبر البلد له وحده و هو يقرر بها ما يريد و الآن يقترب من إعلان انتصاره على "الدواعش" و على من بيئتهم كما يقول.
النوع الثاني هو شيوعي ملحد يعتبر أن أي ذكر للإسلام و فقط الإسلام هو نوع من الردة عن الحضارة و دعوة للقتل ( مع أننا لو جردنا تاريخ القرن العشرين كله لتصدر الشيوعيون جدول القتلة بكل جدارة و استحقاق).
الطرفان هما أقلية لكن صوتهم عال و في أحيان هم موجودون في أماكن في الدولة و السلطة تستطيع ان تقرر و أحيانا يستندون على من هم فيها أيضا. طبعا حجتهم يمكن جعلها بلا أي قيمة بأسطر قليلة و بكلام بسيط التركيب ملئ بالمعلومات و المعاني. ما يدفع كل ساكت ليس الخوف على نفسه  بل ببساطة الخوف على الوطن. صحيح أن اصحاب الصوت العالي أقلية لكنهم قي الحقيقة لهم نصيب من الحكم. نحن لسنا دواعش بل الداعشي هو كل طائفي يمتهن عقائد الناس و يحتقرها. الداعشية هي فلسفة قهر الناس بدينها و معتقداتها. ليست المشكلة في اغلاق حانة او منع شراب بل المشكلة ان من ينتقد ذلك عينه على هوية البلد و هي أن تم اللعب بها فعلينا أن نتحضر منذ اليوم لما هو أخطر و اقسى مما عايشناه خلال التسع سنوات الماضية.
Share:

Friday, 24 May 2019

حرب على أرض الشام

حرب على أرض الشام

إن كل من يفسر التاريخ على أنه تاريخ صراع ديني أو مذهبي هو إنسان جاهل. إن فهم التاريخ بشكل صحيح يستلزم فهم التغيرات التي تحصل فيه و في حقبه المختلفة فهما دقيقا بعيدا عن أي غوغائية أو ضغائنية. هذه الحقيقة يجب أن نتسلح بها قبل أن نحكم على أي حدث تاريخي و أن لا نعزله عن سياق عام لا يمكن تفسير التاريخ بمعزى عنه. لقد عاشت بلادنا و ما زالت تعيش على وقع أحداث معينة حدثت في حقب معينة استدعت إدعاء فئة المظلومية و فئة أخرى المظلومية أيضا حتى أننا وصلنا إلى نقطة لم نعد نفهم خلالها من هو المظلوم و من هو الظالم.
في الحقيقة في التاريخ لا يوجد شئ إسمه ظالم و مظلوم. هناك حركية معينة تحكم و تضبط الأحداث التاريخية و توجهها و تجعل منها نقاط علام و نقاط إنعطاف في جنبات الزمن.
يغفل العرب عن قرن كان فارقا في تاريخهم. في الحقيقة هي مئة و خمسون عاما جعلت تاريخ العرب و تاريخ الإسلام يتغير كليا. يبدأ هذا القرن في منتصف القرن الرابع الهجري و ينتهي في نهاية القرن الخامس الهجري. خلال هذه الفترة إنتعشت الحركات المعارضة للدولة العباسية و الدعوات الدينية التي كانت تشكل أساس هذه الحركات. خلال السنوات الأولى للنصف الثاني من القرن الثالث الهجري حدثت حادثتين قلبت كل معادلة المنطقة. ففي البداية هزم سيف الدولة الحمداني على يد بيزنطة و دخلت جيوشها حلب و احتلت كل الساحل السوري الحالي و تبعها مباشرة دخول الفاطميين مصر و اتخاذها قاعدة لدولتهم. هذين الحدثين هزا المنطقة. فلأول مرة يبرز خطر البيزنطيين بهذه الدرجة و لأول مرة تصبح الدولة العباسية مهددة من خلافة جديدة قوية تحكم منطقة شاسعة غنية هي الخلافة الفاطمية. لسوء حظ بلادنا سورية أصبحت هذه البلاد ساحة صراع بين العباسيين و الفاطميين. قام الفاطميون بتشجيع  الدعوات المذهبية الجديدة المضادة للدولة العباسية و أخذوا يغرون الدويلات الصغيرة تحديدا في شمال بلاد الشام و الجزيرة على تقديم الولاء الإسمي لهم و التخلي عن ولائهم للعباسيين.  فلقد تلى إنهيار الدولة الحمدانية ظهور دويلات ثلاث في شمال الشام و الجزيرة. ففي حلب ورث المرداسيون الحمدانيين و في الموصل ورث بني عقيل الحمدانيين أيضا و في ديار بكر ظهرت الدولة المروانية. المشترك في كل هذه الدول أنها كانت دولا قبلية تعتمد على ولاء القبيلة و قوتها و لم تكن أصلا دولا بمعنى الكلمة. هنا أتقن الفاطميون اللعب على وتر القبيلة و شجعوا حكام هذه الدول على تقديم الولاء لهم و الإعتراف بهم كدولة الخلافة الرسمية. بذل الفاطميون كل جهد ممكن و استخدموا كل سلاح ممكن من المال إلى الدين و المذهب إلى القوة لتثبيت زعامتهم. لقد نشبت حروب طاحنة جعلت الفاطميين يقتربون من تنظيم إنقلاب داخل بغداد يقضي بلا رجعة على الخلافة العباسية لكن هذا الإنقلاب فشل فلجأ معدوه إلى تنظيم جيش كبير ليغزو بغداد بدعم مباشر من الفاطميين. لقد شكل الفاطميون حلفا كبيرا من الدول القبلية و مناصريهم لغزو بغداد و الإطاحة بالدولة العباسية. هنا ظهر السلاجقة كمنقذين للخلافة و استطاعوا رد الغزو و إفشال مخطط الإطاحة بالعباسيين. لقد شكل هذا الصراع الذي دام ما يزيد عن القرن و انتهى بهزيمة الفاطميين البداية الحقيقية لسقوط الدولة الفاطمية. فبعد هذا الصراع مباشرة و بعد أن أنهكت قوة الجميع و تدمرت كل مقومات صمود المنطقة جاء الصليبيون ليقطفوا الثمرة اليانعة الجاهزة للسقوط. لقد وجد الصليبيون الأرض مهيئة لهم للتقدم و الإحتلال. فالفاطميون في قمة ضعفهم و العباسيون لا حول و لا قوة و السلاجقة دولة قبلية برؤوس عديدة لا يمكن لها أن تصارع الصليبيين بعد أن أنهكتها الحروب خلال قرن من الزمن. جاء الصليبيون و فتحت صفحة جديدة في منطقتنا شكل قرن من حروب المسلمين الأهلية الممهد لوصولهم. لقد كان الصراع هو صراع نفوذ و سلطة بين خلافتين استعملت بها الحركات المعارضة التي كان أساسها دعوات مذهبية جديدة أساسا للدعاية و السيطرة. لم تكن القصة مذهبا و دفاعا عنه بل كانت القصة قصة دولة جديدة أتت لإزاحة خلافة عباسية ضعيفة  فاحتدم الصراع على أرض الشام لقرن و نصف تبعه قرنان من حروب صليبية قضت على ما بقي.

Share: