Saturday, 9 September 2017

تيماء أول عاصمة عربية في التاريخ -الدكتور اليان مسعد

تيماء أول عاصمة عربية في التاريخ -الدكتور اليان مسعد
توفي نبوخذ نصر عام (562) قبل الميلاد مخلفًا دولة عظمى ممتدة من البحر الأسود وحتى اليمن ومن مشارف أفغانستان وحتى ليبيا, لكنه خلف دولة ذات مديونية عالية بسبب النفقات الهائلة التي أنفقها بإعمار المدن وبعد عدة سنوات من الاضطرابات توصل الأرستقراطيون في بابل مع رجال الدين وقادة الجيش والأقاليم لتعيين الكاهن والكاتب نابونيد  بين 556-529 قبل الميلاد ملكًا على بابل. وخلال فترة الاضطرابات المذكورة بين سنة 562-556 قبل الميلاد تقلصت الدولة الآرامية الكلدانية وفقدت الكثير من أراضيها ومستعمراتها خصوصًا كيليكيا شمالًا وفارس شرقًا مما أغلق الطرق التجارية التاريخية. وترافق ذلك مع صعوبات كنعانيي صور وصيدا في تسويق المصرية بسبب بدء التحضر الاغريقي مما حرم بابل من مواردها التجارية.وقد لفت أنظار الملك البابلي نابونيد لأهمية طرق تجارية جديدة مبتكرة رسالة أحد الولاة المسمى (معونا) إلى رئيسه في بابل يخبره فيها عن أحد أهل تيماء واسمه (أميني إيلو) (الأمين لله) يراسل شريكه أحد تجار بابل واسمه (شمش- شوم- روكز) وهو يزوره في بابل باستمرار مع تجارته والملك نابونيد الذي كان يواجه في تلك الفترة مشكلته الاقتصادية التي خلفها نبوخذ نصر المتمثلة بارتفاع فاحش بأسعار (50%) وتضخم مالي بسعر النقد الفضي المتداول (الشيقل والمن والطالنث) وبلوغ نسبة الفائدة على الدين إلى (40-50%) سنويًا إضافة للمشكلة السياسية الدينية المتمثلة بغياب التناغم بين أقوام الإمبراطورية الكلدانية التي حاول نبوخذ نصر أن يصهرهم عير سياسة نفل السكان والتي نجحت في تأسيس الامبراطورية اللغوية عبر تبني اللغة الآرامية. لكن هذه السياسة لم تنجح في تأسيس تجانس ديني, فكلهم يعبدون رب السموات لكن الشمس هي التجسيد في اشور ومردوخ رب الأرباب في بابل والقمر (سين) في حران وسيناء وتيماء وحضرموت والإله مقه (القمر) في مأرب, وحين حاول نابونيد فرض إله القمر على سكان بابل ووضع حدًا لاستقلال المعبد ووضع نشاطاته الاقتصادية تحت إشرافه للاستفادة من موارده وذلك بتعيين أحد كبار ضباطه مشرفًا على موارد المعبد ثارت طبقة رجال الدين, وهنا حاول الملك نابونيد حل المشكلة الاقتصادية والسياسية والدينية معًا عبر نقل عاصمته إلى تيماء ويفسر ذلك نص كتبه بالآرامية والخط المسماري كما يلي: (أنا نابونيد الابن الوحيد لم يكن في ذهني تسلم العرش, الإله صلى من أجلي ودعاني لتسلم الحكم وجعلني أرى حلمًا في الليل وقال لي معبد (أهلهل سين) (أي هلال القمر) في حران شيده ورممه بسرعة وسأعطيك البلاد كلها ليديك وكذلك الناس في بابل وبرسابا نيبور وأرو وأوروك ولارسا, فالناس نسيت طقسها والكهنة أخطؤوا بحق ألوهيتي الكبرى وكالكلاب افترسوا بعضهم بعضًا فجعل الإله مرضًا وجوعًا بالأرض هو الإله سين (القمر) أنقص سكان البلاد أما أنا فأشار علي أن أترك مدينتي بابل وارحل إلى تيماء وذادانو (ديدان الحالية) وفاداكو (فدك) وخابير و(خيبر) ويديخو (دومة الجندل) ويثريبو (يثرب) ومقة (مكة) واستقريت عشر سنوات بتيماء ولم أدخل مدينة بابل التي تركت فيها ابني (بل شار آصر) هذا يعني أن نابونيد بعد أن خسر طرق التجارة القديمة أمن طرق تجارة التوابل والبخور ومصنوعات افريقيا وحيواناتها والهند وجواهرها وحريرها عبر طرق مكتشفة من حلفائه وأولاد عمومته الآراميين الكلدانيين (أعني العرب القدماء) وهناك مخطوطة مكتشفة بحران دونها حين رمم نابونيد معبد الإله سين (القمر) تشير لنفس الموضوع. وهذا يشير إلى أنه كسب منطقة نفوذ سياسي وتجاري جديدة واكتسب العرب حلفاء آرام دمشق سابقًا إلى جانبه, وحتى الآن لاتزال الكنيسة الكلدانية والكنيسة السريانية تسميان أسقف المنطقة الممتدة من بابل وحتى البصرة بأسقف بيت أرماي أي منطقة الآراميين ومن بابل وحتى الهاكاري وطور عابدين شمالًا بأسقف بيت (عرباي) أي منطقة العرب وعلينا أن ننظر إلى سنوات نقل العاصمة إلى تيماء من باب تمتين أواصر القربى بين الآراميين الكلدان والعرب من ناحية والمصلحة التجارية من ناحية أخرى وكذلك التناغم الديني المهم بقيادة القمر, وعلم الفلك والتقويم القمري قاسم مشترك بين البابليين والعرب ولعل إحد حجج كورش الفارسي حين احتلاله بابل عام (539) قبل الميلاد وقتله آخر ملك عليها (بل شار آصر) ابن نابونيد بتآمر من كهنة معبد بابل لتسليم المدينة بعد مقاومة أسطورية وكان أدعاء كورشه وادعاءه صحيحًا أن نابونيد أهمل شعائر الإله مردوخ وفضل إله القمر من حران ومن بابل إلى اليمن عليه والاكتشاف الأخير عام 2004 ل(محرم بلقيس أو معبد أوام) في مأرب باليمن أعني معبد الإله (مقة أو مكة) إله القمر عند اليمنيين السبنيين الذين أكملت اكتشافه حفيدة المكتشف الأول ويندل فيليبس (1951) والذي أظهر بشكل لا لبس فيه أن تاريخ هذا المعبد يجب أن يورخ إلى ما قبل (1900 أو 1800) قبل الميلاد وليس (1300) قبل الميلاد كما هو شائع ويؤكد ذلك (300) نقش بالخط المسند وجدت بالمعبد وهو معبد مركزي للعرب كانوا يجحون إليه كل سنة أيام الدولة السبنية، وهو يثبت بشكل غير قابل للجدل أن القمر واهميته وتقويمه وتعلق العرب به قديم جدًا. وأن التمازج الثقافي بين الشام والرافدين واليمن قديم يعود إلى أربعة آلاف سنة على الأقل. ويقود لفهم سبب إبقاء التقويم القمري بعد هجرة الرسول العربي واعتماده من قبل المسلمين حتى الآن، ولا بد بالنهاية من توضيح خطوط التجارة والعبقرية الفذة التي تفتق بها هذا العقل العملاق نابونيد، فقد ربط موانئ الخليج على التوالي خديمير وجرها وماكان وميلوخا ودلمون (البحرين) وهي موانئ التجارة مع الهند وربطها عبر الجرعاء والاحساء والهفوف وبريدة ثم القصيم وحائل عابر عاصمته تيماء باتجاه الغرب إلى أبلة (العقبة) ومصر واضعا تجارة مصر كلها تحت تصرفه. كما أن تيماء نفسها عبر تبوك ودومة الجندل تسيطر شمالا على تجارة التجار الأراميين بدمشق وحلب حتى الاناضول وجنوبا على خط الواحات بتيماء –ديدان (داداتو) - فدك (فاداكو) وخابيرو (خيبر) ويثرب (يثريبو) وبكة أو مقة (مكة) حتى (أوام) أو ماريابو (مأرب لاحقا) وصنعاء وشبوة وشبام باليمن وتارين ودارين بحضرموت وقتبان وكحلان وتمنع ومعين بحير وادي ضارب وبيجان وهو طريق التوابل والبخور والحرير والحيوانات النادرة. ومن المعروف أن اليمن كانت تتكون من أقوام آمورية وآرامية منذ عصور قديمة أتت من الشمال على عكس المتداول وطوروا حضارتهم الخاصة وكل الوثائق الآشورية والبابلية تذكرهم كمكون أساسي لشعب المنطقة عبر تحالفهم مع ملوك دمشق ثم إخضاعهم من قبل الملوك الآشوريين (شلمانصر) و(تغلب بلاسر) و(آشور بانيبال) و(سنحاريب) و(أسرحدون) وكذلك الملوك الكلدان نبوخذنصر وبابونيد.    
تيماء اذا كانت عاصمة مهمة نمت لفترة قصيرة قبل الاحتلال الفارسي لكن عاصمة لدولة قوية موحدة (10-12سنة) ساهمت بتكوين الامبراطورية الثقافية والتجارية للآراميين أسلاف العرب. وأعطتهم التقويم القمري وعلومه. وساعدت على تكوين وجدانهم الديني والثقافي، وتقع بالحجاز ضمن أراضي السعودية. وتبعد 300 كم عن الحدود الأردنية و400 كم عن يثرب (المدينة المنورة) وتم اكتشاف سوريا الأثري ومبانيها الأثرية ومعبدها وبئر هراج الذي كان يمولها بالماء وآثار كبيرة غيرها لم يتم التنقيب عنها داخل السور البابلي بانتظار الكشف عنها وبانتظار ذلك تحية لأول عاصمة آرامية عربية للمنطقة من كيليكيا إلى  اليمن ومن الخليج العربي إلى سيناء.

0 comments:

Post a Comment