Monday, 7 August 2017

بين بوظة بكداش و غزوة جمارك الأقمشة

بين موقعة بكداش وغزوة جمارك الأقمشة ...

قبل أسابيع تمّ إغلاق محل بوظة بكداش في الحميديّة بدمشق ...

فتحوّل الأمر فوراً إلى موضوع سياسيّ (بل طائفيّ) وإلى التفريط بتراث دمشق ...

وقبل أيّامٍ صدر قرار لوزارة الاقتصاد  باعتبار القماش المستورد لصناعة الملابس ، اعتباره مادةً أوّلية  وبالتالي خفض الرسوم الجمركيّة على الأقمشة ...

تحوّل الموضوع فجأةً إلى حرب ضروس بين صناعيي الأقمشة وصناعيي الملابس ...

ولم يقف عند هذا الحدّ، بل تحوّل بسرعة بسبب الأقلام المتسرّعة الخفيفة إلى صراع مناطقيّ قبيحٍ بشع معيب ...

قبل القصّة الأولى بأيّام، كنت قد كتبت  عن أنّ من أهمّ مقومات النشاط الاقتصادي هو وضوح الأنظمة ووجود معايير واضحة مكتوبة تحكم هذا الموضوع  ...

قد بقول قائلٌ: وما العلاقة بين القصّتين؟

هناك  في حقيقة الأمر تطابقٌ بين القصّتين ...

فقرار إغلاق محل بكداش نصّ حرفيّاً على أنّ السبب هو قذارة مكان التحضير وعدم الالتزام بالقواعد الصحيّة ...

وهذا بلا تعداد وبيانٍ لما تعنيه الجملتين القصيرتين ...

وقد يكون القرار صائباً ...

وقرار الرسوم الجمركيّة كان تبريره أنّه تشجيع لضناعة الملابس، بينما اعتبره مصنّعوا الأقمشة إفقاداً  لقدرتهم على منافسة الأقمشة المستوردة ...

وقد يكون القرار صائباً...

والحلّ في حقيقته بسيط وموجود في كلّ العالم ...

بل أكثر من ذلك، فدمشق في العصر الأمويّ والعبّاسيّ كان فيها نظام الحسبة الذي يضع شروطاً لمحلّات الأطعمة كأن يفرض على من يحضر الطعام أن يحلق شعر يديه ويضع ربطة على كلّ ذراع من ذراعيه لامتصاص العرق وأن يغطي شعر رأسه حتّى لا يسقط ... وغيرها الكثير من المواصفات المكتوبة الواضحة ...

وفي حالة الرسوم الجمركيّة للأقمشة والخيوط، يجب أن يكون هناك قاعدةٌ تقول أن تحديد الرسوم الجمركيّة يجب ألّا يسمح للمادة المستوردة أن تكون أرخص من المصنوعة محلياً والتي لها نفس المواصفات ...

وأن تربط الحوافز الضريبيّة بمقدار القيمة المضافة المحلية من مواد أوّليّة وتصاميم وغيرها وليس برأس المال  ...

وبدون تلك المعايير الواضحة المكتوبة والمعروفة والواجب ذكرها وتفنيدها في كلّ قرار، فإنّ كلّ أشكال الترويج والدعاية والاتصال بالمستثمرين الخارجيين ستكون فاشلةً وستقضي عليها حادثة أو حادثتين غامضتين ...

ليس من المعقول أن تكون الضريبة على المنتجات المحلية أعلى بمرّاتٍ عديدة من تلك المستوردة ....

فإدا تحقّق الشرط كان الأمر عادلاً للجميع ...

الموضوع لبس بمعجزة فكلّ هذه المعايير والنماذج والكرّاسات موجودة لدى الدول المتقدمة ولا نحتاج لأكثر من اعتماد إحداها وترجمتها وطباعتها ...

تراث الشام ليس في محلّ بوظة بعينه ولا مصنع بذاته، بل بتلك المعايير التي وضعت لأوّل مرة في التاريخ في الشّام ...

عمرو سالم: تزول الدنيا قبل أن تزول الشّام ...
.

0 comments:

Post a Comment