Wednesday, 19 July 2017

كابوس العدالة الإجتماعية

كانت الانقلابات الاشتراكية التي اجتاحت العالم العربي في الخمسينات و الستينات فرصة للحلم بالمساوة و الغاء الفوارق الطبقية، لكن ذلك الحلم لم يكن واقعيا بما يكفي.
اعتادت كل النخب التي تأتي بعد القضاء على نخب سبقتها على تقليد من سبقوها بكل شئ. فالعباسيون الثوار على الحكم الأموي أنشؤوا نظاما لا يختلف كثيرا عن النظام الأموي بتراتبيته الطبقية و نظامه الاجتماعي.
لم يكن الإحساس بالظلم الأموي محفزا للعباسيين على تغيير طريقة حكمهم بعد وصولهم للسلطة بل إن كل ما فعلوه كان يتمحور حول ترسيخ النظام القديم.
هذا مثال من التاريخ العربي الاسلامي، أما الحاضر الذي نعيش به فقد أثبت أن كل الدعوات الاشتراكية و صياح النخب عن العدالة الإجتماعية كلها عملية ضحك على الناس لا أكثر.
ففي سوريا تحول الضباط الفلاحون الذين انقلبوا على البرجوازية السورية في العام ١٩٦٣ إلى برجوازية لها طريقة عيشها و تحول معهم أولادهم إلى رجال أعمال و أصحاب طائرات خاصة و أرصدة بنكية كبيرة و استثمارات في شتى أنحاء العالم. و في مصر تحول أولاد الثورة الفلاحون في معظمهم إلى طبقة تتشبه بالارستقراطية التي كانت تحكم مصر قبل العام ١٩٥٢.
ما لفتني هي أمثلة بسيطة لكنها معبرة. فمثلا قد لا يقبل قاضي شهادة بواب أو زبال نافيا عنه صفة الأهلية. و أيضا قد لا تقبل وزارة مثل الخارجية ابنا لصاحب وظيفة صغيرة أو إنسانا متوسط الحال. ففي فحص التقدم للخارجية المصرية هناك سؤال على المتقدم الإجابة عنه: في أي نادي إجتماعي مشترك؟
الإجابة على السؤال تعني تصنيفا طبقيا للمتقدم بشكل آلي. فإن قال بأنه غير مشترك فذاك يدل على طبقته الإجتماعية. فالاشتراك في الأندية هذه مكلف جدا و لا يقدر عليه إلا الميسورون، أما متوسطو الحال و الفقراء فهم خارج فكرة الإشتراك في هكذا أندية. و ضمن الطبقة الميسورة طبقات تحدد باسم النادي المشترك به المتقدم. فلكل ناد تصنيف و كل مشترك فيه يصنف اجتماعيا حسب تصنيف النادي.
طبعا لا يفوتنا الحديث عن رفض وزارة العدل في مصر إدخال أبناء أصحاب المهن المتواضعة في سلك القضاء و لا يفوتنا أيضا إعطاء القضاة ميزة إدخال أولادهم سلك القضاء مهما كان مستواهم العلمي. فقد تجد متفوقا يرفض و ابن قاض ضعبف المستوى يقبل.

الخلاصة هنا أن الثورات الإشتراكية شكلت عبئا على الأوطان و لم تؤد لا إلى عدالة اجتماعية و لا إلى إلغاء التمييز الطبقي. كل ما فعلته أنها أتت بنخبة جديدة على حساب قديمة.

0 comments:

Post a Comment