Friday, 16 June 2017

سفر في وجود الله

قمر الزمان علوش

في طفولتي مرضت مرضة شديدة . استدعت امي شيخ القرية للدعاء والتعزّيم وكتابة الحجب الشافية .جاء الشيخ واقام عندنا ثلاثة ايام قضى معظمها الى جواري . يرتل ايات قرانية .يروي شيئا من سيرة الامام علي بن ابي طالب . يغني بصوته الشجي اشعارا وقصائد من التراث الديني القديم . مر اكثر من خمسين عاما على تلك الحادثة وحتى اليوم لم أستطع ان احسم امري .. هل الدواء هو الذي شفاني وقرر مصيري في تلك الأيام . أم صوت ذاك الشيخ السحري الذي سرى عبر مسامعي حتى مسارب روحي ولا يزال مستوطنا فيها حتى الان ؟
عقلي يقول الدواء بالتأكيد . وقلبي يقول ربما صوت الشيخ .
بيتنا القديم في مدينة جبلة يبعد عن بيت الشيخ الثائر عز الدين القسام عدة ازقة . مدرستي الابتدائية اسمها عز الدين القسام . اخرج من درس التاريخ وهذا الاسم يملأ مخيلتي ويطغى على كل ماعداه . اعود الى البيت . اعبر الشارع الذي سلكه ذات يوم الشيخ القسام وامشي على بلاطات الرصيف التي مشى عليها ولا يزايلني التفكير : انا لست نكرة في هذا الوجود الفسيح بل لي جذور عميقة ومدينة تذكرها كتب التاريخ.. لم اكن اعرف معنى الشيوعية عندما انتسبت الى الحزب الشيوعي . انتسبت اليه لان مسؤول الحزب في المدينه ينتمي الى عائلة القسام ويحمل اسم : انس القسام .
اثناء تحضيراتي لكتابة  مسلسل اسمهان نزلت ضيفا لمدة اسبوع على اهلي في مدينة السويداء . دعيت الى مأدبة غذاء واجلسني شيخ عقل الى جواره . وطوال الوقت لم تهدأ أسالتي له عن الله والوجود والخليقة والاديان . كان طعام المادبة لذيذا الى حد مسحور . ولكن ليس هذا ما رسخها في الذاكرة . شروح ذلك الشيخ الجليل الملآى بالاكتشافات النادرة حولت تلك اللحظات المادية الغريزية الى لحظات استثنائية عبرت عن نفسها بطريقة روحانية لايطالها سلطان النسيان . 
قبل عامين أهداني الأب الجزيل الاحترام الياس زحلاوي آخر كتاب له بعنوان " قد يكون لي ما أقوله " . انتهيت قراءة الكتاب وتوجهت اليه في صومعته في كنيسة سيدة دمشق . قبل ان يهبط الدرجات العليا لاستقبالي . توقفت وقلت له : "ساصافحك . ولكنني سألثم يدك ابونا :. "   استغرب الامر وقا ل : لن اسمح لك بذلك . هذا  لا يحدث حتى مع رعيتي . قلت له : انا لا افكر بهذه الطريقة : ساقبل يدك لأنني بعد ان قرأت كتابك شعرت بأن اليد التي خطته تنبعث منها رائحة السماء . فكر قليلا ثم اعطاني يده فلثمتها .
أعرف أن رجال الدين والقادة الدينيين الذين تحالفوا مع السلطان وسلطة المال قطعوا دروبنا الى السماء وأنهم أحالوا حياتنا الى مغارة مظلمة يعشش فيها العنكبوت وخفافيش الظلام . وأعرف أن هذه البلاد الشاسعة رغم أنها مغمورة بطبقات كثيفة من رجال الدين ..الا أنها من أكثر بقاع الأرض بحاجة الى بذرة الله ..
أعرف كل هذا . لكنني صراحة لاأعرف ماذا أصنع بتلك الذكريات الحميمة وقد غدت جزءا لايتجزأ من وجودي ؟اذا حذفتها ماذا سيكون مآل الروح عندئذ ؟.

0 comments:

Post a Comment