Saturday, 10 June 2017

النخب المطوبة

الإبداع السوري مهدد بالانقراض بوجود هذا النوع " النُخب".
==============================================
النخبة السوريّة "المطوّبة" لا تضع " لايكات"..!
هل أتاك حديث النخبة السورية "المطوّبة" ، أنهم قوم من الكائنات التي تعتقد أن الشمس لا تشرق إلا لتقدم فروض الطاعة لظلهم الطويل، و أن الناس تحترق لتضيء لأجلهم الطريق، قوم لهم وجودهم في كافة مناحي الحياة السورية، قوم لا يخفون على أحد ، و بإمكان الجميع التعرف عليهم دون أدنى عناء فالصفات التي تجمعهم هي واحدة تقريبا ، و أهمها سعيهم إلى تكريس نفسهم على حساب كل القيم التي يدعون أنهم يناضلون لتحقيقها ، أنهم مستعدون للقيام بأي شيء ليظلوا "نخبة مطوّبة" حتى و لو اقتضى الأمر أن يتحولوا إلى بشر.

و للنخبة السورية "المطوّبة" طبقات ، أهمها الطبقة المطوّبة مؤسساتيا و الطبقة المطوّبة معرفيا ، أما الطبقة الأولى فقد تم اختيارها على مبدأ " تافه يُستفاد منه" ومن هذه الطبقة خرج " المنشقين " من كل الفئات و المشارب مع أول صيحات الجهاد ، و كان روبرت فورد أول من وصّف هذه الطبقة حينما اجتمع في آيار 2013  مع أعضاء "الائتلاف السوري" في اسطنبول ، و طلب منهم إضافة مجموعة شخصيات " علمانية" ـ من بينهم  الفنان جمال سليمان و الصحفي ميشيل كيلو ـ إلى جانب تركيبتهم  الاخوانية ، لكن فورد فوجئ بقيام "الائتلاف"  برفض طلبه ، ليخرج  واصفا الجميع بأنهم " حيض ".

أما  الطبقة الثانية ـ أي الطبقة المطوَّبة معرفيا ـ فقد تم تعويمها كنموذج " للمثقفين الأولى بالرعاية " و ذلك بهدف إبعاد المبدعين الحقيقيين عن ساحة الفعل المعرفي ، و في تنفيذها لهذه المهمة حققت هذه الطبقة نجاحاً باهراً دفعها للمضي قدماً نحو تحديد نسل الإبداع بحيث يتوقف عندها و يُختصر بها، و عليه ، ما أن تجود الحياة بمبدع شاب إلا ووضعته هذه الطبقة  أما خيارات ثلاثة : إما أن يكون مريداً أو يرحل أو يموت كمداً ، لم يحدث قط أن انحنى أي من كائنات هذه الطبقة  ليساعدوا مبدعاً على النهوض إلا ليرفعوه إلى المقصلة كي يجزوا رأس موهبته، لذلك تراهم يتابعون الجميع ، و يقرؤون و يشاهدون ما يفعله الجميع ، فإذا حدث و كنت أحد  الذين فرضوا حضورهم على ساحة إبداعية معينة تقاعست النخبة "المطوّبة" عن ملئها ـ خوفا أو لحسابات سياسية معينة ـ فإنك ستندهش عندما يخبروك بتفاصيل مقال كتبته أو محاضرة ألقيتها ، أو معرض شاركت فيه ، أو عملا مسرحيا لك ، بل و يغبطونك على كمية " اللايكات " التي حصدتها ، لكن إن حدث و عدت إلى صفحتك الشخصية فلن تجد أي اثر يوحي بمرورهم ف " لايك " النخبة محجوز في الغالب لصور تعود لنون النسوة و " من صفحاتهن تعرفونهم" ، و " اللايك" يعني التصفيق و هذه الطبقة  لا تصفق إلا لنفسها، أو لولي نعمتها ، أو لمبدع ميت، أما التصفيق للإبداع الحقيقي فهو أكبر من أن تحتمله لأنها ترى فيه شرخا لكبريائها المتهالك ، و مسمارا يُدق في نعش صدارتها.

ثقافةُ الخواء التي عممتها "النخبة السورية المطوّبة" أدّت إلى  "تعقيم " فعل الإبداع الفردي عبر " تكفير " التصفيق للآخر المختلف، و ساهمت ـ و أخشى أنها مازالت تساهم ـ في إقصاء المبدعين الحقيقيين عن الإنخراط في الفعلِ الجماهيري ، و عن  ممارسة دورهم في صياغةِ الفعل الثقافي بشكلٍ علمي و مؤسساتي ، و بوصفهم مثقفين عضويين من منطلق أن هذا المثقف ليس إلا "  فردٌ مُنح قدرةً على تمثيل رسالة, أو وجهة نظر أو موقف أو فلسفة أو رأى، وتجسيدها والنطق بها أمامَ جمهورٍ معين ومن أجله .... فالمثقف هو شخصٌ لا ينزعُ إلى تهدئةِ الأوضاع بل يرهنُ وجوده كلَّه للشعور النقدي الذي يجبره على عدمِ  القَبولِ بالصيغِ السهلةِ أو بالأفكارِ الجاهزةِ أو بالبراهينِ التي تتساوق مع  ما يعتقد به الطرفُ المُهيمن و يمارسه ، و لديه الاستعداد لأنْ يجهرَ بموقفه هذا " ، و ذلك بحسب تعريف ادوارد سعيد للمُثقَّف كما جاء في كتابه "تمثلات المُثقف".

ثقافة الخواء هذه شكّلت أساسَ " ثقافة التطرف" التي كانت تنمو في ظلال الخطابات المبهرجة و رعاية دراما العنتريات على حساب الخطاب المتنوع و رعاية المبدعين الشباب بعيدا عن التصنيفات و العقول الضيقة، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في إضعاف مناعة شريحة واسعة من السوريين في مقاومة فيروس التطرف المُصنَّع محلياً و بخبراتٍ دوليةٍ خالصة.
ما يدهشني أن هناك فئة من المثقفين السوريين الذين لا ينتمون إلى " النخبة السورية المطوّبة" و لهم حضورهم على الساحة الفكرية ، و مع ذلك قلة قليلة منهم تصفق لمبدع شاب و تمنحه فرصة للظهور ، هؤلاء ينسون أن ذاكرة الإبداع تكمن في استمرار نسله ، و لا ينتبهون إلى أن حصاد المثقف لا يقتصر على عدد الكتب أو الأفلام أو المسرحيات أو المعارض التي أنجزها خلال حياته بمقدار ما يكمن في عدد المبدعين الذين اكتشفهم و مدَّ لهم يد العون، و عمار يا سورية عمار.

عصام التكروري

0 comments:

Post a Comment