Friday, 12 May 2017

أنجيليكو فرا




فرا أنجيليكو Fra Angelico راهب ومصور إيطالي. ولد في بلدة فيكيودي موجيلّو قرب فلورنسة، وتوفي في رومة، فدفن في دير الرهبان الدومينيكيين القريب من كنيسة سانتا ماريا سوبرا منيرفا، حيث لا يزال ضريحه موضع إجلال وتعظيم لمكانته الدينية والفنية.

وإذا كان النقاد قد اختلفوا في نسبة فنه إلى واقعية العصر الوسيط، أو إلى إبداع عصر النهضة، فإنهم قد اتفقوا جميعاً على أثره في تطوير التصوير الديني من جهة، وفيمن أتى بعده من الفنانين من جهة ثانية.

اسمه الحقيقي غويدو دي بييترو، إلا أنه اشتهر باسم «فرا - أنجيليكو» أي الأخ الملائكي الذي لقب به بعد وفاته. وهذا يعني أنه راهب، على صلة نبيلة تقربه من الطوباويين، ومنالقديس توما الإكويني الذي يلقب أيضاً بالعالِم الملائكي.


ارتدى ثوب الرهبنة في دير القديس دومينيك فييزولي بين عامي 1418م و1422م، وبقي مشدوداً إلى رئيس هذا الدير القديس أنطوان من عام 1422م إلى عام 1436م؛ ثم انتقل إلى دير القديس مرقص في فلورنسة، حيث أنجز لوحاته الجدارية، وعاد بعد ذلك إلى ديره فبقي فيه حتى عام 1444م.

ولما رُسِم قسّيساً نحو عام 1429م عرض عليه  البابا أوجين الرابع تولي مهمة أسقفية فلورنسة، فرفض هذا العرض.

وقد استدعاه البابا أوجين الرابع، في نهاية عام 1445م إلى رومة، وبقي فيها حتى عام 1450م، ثم عاد إلى ديره، فتولى رئاسته لمدة سنتين، ثم غادره بعدها إلى رومة مرة ثانية حيث قضى السنوات الأخيرة من حياته، وفيها توفي في الثامن عشر من شباط.

كانت دراسة أنجيليكو دينية في معظمها، وقد تأثر فنياً بالمنمنم الشهير باتيستا سانغويني من المرحلة القوطية المتأخرة، وغدا، فيما بعد، من أبرز مساعديه. كما درّبه على التصوير أعظم مصوري الأسلوب القوطي لورنزو موناكو ويظهر تأثر أنجيليكو به واضحاً في دقة التنفيذ الجلية المجهدة، وفي النورانية النابضة بالحياة التي تُفيض روحانية خلابة على صوره.

أما من الناحية الدينية، فقد تأثر أنجيليكو بتعاليم جيوفاني دي ميديتشي المناضل عن الدومينيكيين الذين شملهم الإصلاح، والمُدافِع بكتاباته عن الروحية التقليدية، إزاء الهجوم الضاري الذي شنته عليها الحركة الإنسانية. وكان لزميله الراهب أنطونيوس بيروزي، الذي غدا أسقف فلورنسة، الفضل في تقوية إيمان أنجيليكو، وفي إلهامه الكثير من أعماله، كما كان للدير، ولحياته فيه، وللمذهب الذي اعتنقه، أكبر الأثر في صبغ نتاجه كله بصبغة دينية. وهذا ما دعا النقاد إلى التذكير دائماً بالفكرة التي تقول: «ليس الابتكار التشكيلي لدى هذا الراهب مستقلاً عن الوعظ». فإذا كان قد أبدع في تصويره الديني، فلأنه يرمي من وراء عمله الفني إلى غرض ديني يترك أثراً عميقاً في نفس المتأمل. وفرا أنجيليكو فنان متصوف، ومتصوف فنان، ولا يمكن الفصل بين هاتين الشخصيتين في أعماله أبداً.

تشهد أعمال فرا أنجيليكو الفنية بنشاطه الفني قبل انخراطه في سلك الرهبنة بين عامي 1418م و1422م، ولم يتوقف عن التصوير بعد دخوله الدير، فلقد عاش حياة الراهب الورع التقي، ولكن الصلوات لم تستغرق وقته كله. وكان يتعرف الاتجاهاتالفنية الجديدة، ويتتبعها عن كثب، وينتج دائماً متأثراً بما يرى ويسمع. ومن ذلك مثلاً تمثيل الفراغ بالمنظور، وهو أمر لم يكن بعيداً عنه، مع أنه لم يأخذ به كلياً في مجال تصويره.

وكان  عام 1436م مهماً في حياة الفنان، إذ أُسندت إليه فيه مهمة رسم لوحة لمذبح أُخُوَّة سانتا ماريا ديلاكروس ألتمبيو التي أتمَّها في شهر كانون الأول من العام ذاته، كما أنجز في ذلك العام أيضاً واحدة من أبدع لوحات عصر النهضة الفلورنسية وهي لوحة «البشارة» الموجودة اليوم في متحف «كورتونا» التي فاقت في الإتقان لوحتيه الأخريين في الموضوع ذاته.

كما نفَّذ، أيضاً، الرسوم الجدارية لدير القديس مرقص، بعد أن انتقلت ملكيته إلى الرهبان الدومينيكيين الذين شرعوا في إعادة بناء الكنيسة وديرها الواسع نحو عام 1438م، وأسندوا إلى فرا أنجيليكو مهمة تنفيذ لوحة «المذبح»، فأنجزها على أروع صورة. وصوّر فيها العذراء وابنها مرفوعين على عرش، وخلفهما القديسون من الجانبين، وعدت هذه اللوحة واحدة من أكثر أعمال أنجيليكو إبداعاً وتطوراً. فالمشهد ينتهي بغابة كثيفة من أشجار السرو والنخيل والصنوبر، تحت سماء عميقة خلت من الغيوم وبدت شخوص أنجيليكو في هذه اللوحة خالية من أي عاطفة بشرية، في حين كانت أعينها تشف عن صفاء روحي سامٍ.

ومن لوحاته المشهورة:

ـ «تتويج العذراء» (متحف اللوفر) 1432 – 1433.

ـ «الإنزال عن الصليب» (متحف القديس مرقص في فلورنسة) 1435م -  1436م.

ـ «البشارة» (متحف أبرشية - كورتونا) 1436م.

ـ «البكاء على جسد المسيح الميت» (متحف القديس مرقص في فلورنسة) 1437م.

ـ «لوحات دير القديس مرقص الجدارية» (في فلورنسة) 1439م – 1445م.

ـ «حياة القديس إيتين، والقديس لوران» (في الفاتيكان) 1448م – 1450م.

يمثل فرا أنجيليكو مكانة خاصة في تاريخ الفن: فقد أبدع في التصوير الديني، وخلصه من جفاف القرون الوسطى وتقشفها، ونقله إلى عالم عصر النهضة الرحب، فكان آخر واقعيي العصور الوسيطة، وأحد محطمي التقاليد الأيقونية المسيحية، وإليه يرجع قسم كبير ومهم من المزايا المعترف بها لفن عصر النهضة الخلاق. وسيبقى مشهوراً في تاريخ الفن، لا بفضل الموهبة والإتقان والقدرة على التطوير فحسب، بل بفضل الأثر الكبير الذي تركه فيمن أخذوا عنه وتأثروا به كذلك.

فريد جحا... الموسوعة العربية

 


0 comments:

Post a Comment