Thursday, 28 July 2016

كلنا جوازت سفر

 

محمد أبو عرب
الخليج
28/7/2016

يدفع واقع البلدان العربية وما تشهده من حروب إلى التأمل في أعداد المهاجرين والهاربين من القتل إلى بلدان تأويهم، فما ترويه الهجرات العربية نحو القارة الأوروبية، يروي سيرة طويلة لآلاف الغرقى، وآلاف المفقودين، فمن هجرات العمالة المغاربية وصولاً إلى فاجعة التهجير السوري التي تحوّلت إلى مأساة إنسانية لخراب الأرض في القرن الواحد والعشرين. 
يخطر ببال المتأمل لهذا الراهن، التساؤل، كيف ضاقت بنا الأرض بما رحبت، ومتى صار جواز السفر وثيقة تعادل وجود الإنسان نفسه، فهو نكرة ولا شيء أمام الحدود الدولية إن لم يحمل تلك الأوراق التي تحدد هويته.
تعيد تلك الأسئلة الحكاية إلى جذرها التاريخي، فمن أول من ابتكر هذا الجواز؟ ومن أول من عمل به؟ لنجد مرويات كثيرة حول تاريخه، منها أن أحد أقدم المراجع التي ذكرت جوازات السفر، هي «إنجيل نحميا» نحو 450 ق.م، ونحميا هو خادم لأحد ملوك الفرس، إذ أراد الخادم أن يأخذ الأذن للسفر إلى مكان آخر، فوافق الملك وأعطى نحميا رسالة «إلى الحاكم خلف الأنهار» ، يطلب منه الأمان لنحميا عند مروره بأراضيهم.
تطورت تلك الرسالة تاريخياً، إلى أن ظهرت وثيقة تتيح لحاملها من عبور بوابة «بورت» على أسوار إحدى المدن الأوروبية، ومنها اشتق الاسم «باس بورت»، وليس كما يشاع، أنه مشتق من «سي بورت»، أي موانئ البحر.
تكشف تلك الحكاية كيف أن السلطة البشرية بطبيعتها تراكمية في تمتين سلطتها، فالورقة ظلت تأخذ سياقها إلى أن صارت هي سر وجودنا وحقيقته أمام الأرض.
تكاد تكون أزمة القضية الفلسطينية وسيرة الشتات، مكثفة بجل تفاصيلها في قصيدة الشاعر الراحل الكبير محمود درويش «جواز السفر» التي غنّاها مارسيل خليفة، وتحوّلت لدى الكثير من الأجيال العربية إلى نشيد ثوري وجداني يلخص الشتات ، فقال: «لم يعرفوني في الظلال التي/‏ تمتص لوني في جواز السفر/‏ وكان جرحي عندهم معرضاً/‏ لسائح يعشق جمع الصور...».
لم يكن يكفي أن تكون مجروحاً بالوطن لتكتب قصيدة، فأن تكون معارضاً لسلطته فتلك حكاية أخرى، يرويها المفكر العراقي هادي العلوي، إذ حدث ذات يوم أن كان في الصين، وانتهى جواز سفره، وصار لزاماً أن يجدده، فأخبره أصدقاؤه أن يذهب إلى السفارة العراقية، إلا أنه كان صلداً تجاه النظام للحد الذي قال مفارقته العجيبة: «لن أخضع لسلطة النظام حتى في السفارة، فأمامي خياران لاستخراج جواز، فإما أن أرشو أحد الموظفين، أو أدخل إلى السفارة ليلاً وأسرقه».

Abu.arab89@yahoo.com

0 comments:

Post a Comment