Wednesday, 20 July 2016

التجارب الأولى لوكالة المخابرات المركزية الأميريكية في سورية


شمس الدين العجلاني
 صحيفة الوطن ليوم الاثنين 18-7-2016 العدد 2439
التجارب الأولى لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في سورية

الرئيس شكري القوتلي يدلي بصوته في استفتاء الوحدة مع مصر

نالت سورية استقلالها عام 1946 م حيث تم جلاء آخر مستعمر عن البلاد السورية، فهل ترك المستعمر الأجنبي بلادنا لتنهض بنفسها وتسير في ركب الدول الأخرى!؟
في نهاية الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كانت بلادنا السورية عرضة لصراع المخابرات الأجنبية وخاصة الفرنسية والإنكليزية وبداية ظهور وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وبالطبع البصمات الإسرائيلية واضحة على المخططات والخطط والصراعات الدائرة في البلاد السورية.. والانقلابات العسكرية التي حصلت في تلك الأيام كانت نتيجة هذه الصراعات.. فأين دور الولايات المتحدة الأميركية في تلك الصراعات!؟

مظاهرة في سورية ضد اولايات المتحدة الأميريكية على خلفية تأخر اعترافها بالجمهورية العربية المتحدة

كانت التجارب الأولى لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في العمل السري في بلادنا عام 1949م لأسباب كثيره لخصها دوغلاس ليتل الأستاذ في جامعة كلارك الأميركية، في مقالته التي نشرها عام 1990 م في مجلة (ميدل ايست جورنال): (إن موقع سورية الإستراتيجي وعدم استقرارها السياسي المزمن، كانا ينطويان خلال السنوات الأخيرة من عقد الأربعينيات من هذا القرن «يقصد القرن العشرين» على معان ضمنية منذرة بالشؤم للمصالح الأميركية الأوسع في الشرق الأوسط.

سامي الحناوي

وبما أن تركيا تقع إلى الشمال من سورية وإسرائيل تقع إلى الجنوب منها، فقد كان بإمكان سورية، إذا كانت بلداً غير صديق، أن تقوض بسهولة نظرية الرئيس هاري ترومان عن الاحتواء وأن تعقد علاقته الخاصة مع تل أبيب) ودوغلاس ليتل هو صاحب كتاب (الاستشراق الأميركي، الولايات المتحدة والشرق الأوسط منذ عام 1945) ويكشف هذا الكتاب كيف غير اكتشاف البترول في الشرق الأوسط من أدوات السياسة الأميركية التي أوجدت علاقة تكافلية تسمح للولايات المتحدة من خلال شركاتها بأن تقدم الدعم لإسرائيل وتمارس في الوقت نفسه نفوذًا بلا حدود في العالم العربي. وينتهي كتاب دوغلاس ليتل بالتأكيد على أن زرع إسرائيل حليفًا سياسيًا لأميركا خلال فترة الحرب الباردة كان ضروريًا؛ لمنع الاتحاد السوفيتي من ملء الفراغ الناجم عن انسحاب بريطانيا البطيء من إمبراطوريتها في هذا الجزء المهم من العالم، وهو أمر دعمته أميركا بتبني مجموعة من السياسات شملت العداء لنظام جمال عبد الناصر بعد أزمة السويس، وانتهت إلي تحجيمه في حرب حزيران 1967.

عود على بدء

بدأت الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1820 م بإرسال البعثات التبشيرية إلى سورية، تحت إشراف المجلس الأميركي لمراقبة البعثات التبشيرية، والذي اتخذ من مدينة بوسطن مقراً له، وعين القس صموئيل وركستر أول سكرتير له.
ومهام البعثات التبشيرية الخفية أو السرية معروفة ولا تخفى على أحد، الشعب السوري بعد الحرب العالمية الثانية، كان يتعاطف مع الولايات المتحدة الأميركية لعدة أسباب منها أن الرئيس ولسون رفض الانتداب الأميركي على سورية الذي اقترحه مبعوثاه هنري كنغ وتشارلز كرين، كما أن موقف الولايات المتحدة عام 1945 م ضد المصالح الفرنسية لاستعادة الحماية على سورية، كان موضع تقدير السوريين… ولكن رحلة شهر العسل هذه بين أميركا وسورية انتهت بسبب القضية الفلسطينية.

سورية والقضية الفلسطينية

كان هنالك العديد من الأحداث والوقائع التي جعلت أميركا تبتعد عن سورية وتكيد لها المكائد…


اتفاقية الوحدة السورية المصرية

الرئيس روزفلت طمأن شكري القوتلي، أنه سوف يستشير سورية قبل أن يتخذ إجراء بشأن وطن قومي يهودي. ولكن الرئيس ترومان أيد لاحقاً مشروع تقسيم فلسطين ما دفع وزير خارجية سورية فارس الخوري للقول: (الولايات المتحدة عازمة على إصدار حكم ظالم على العرب). بعد ساعات معدودة على إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع التقسيم يوم 29 تشرين الثاني 1947 م، كانت الجماهير السورية تهتف ضد الولايات المتحدة، وتهاجم سفارتها بدمشق، ويقول دوغلاس ليتل في مقالته التي نشرها عام 1990 م في مجلة (ميدل ايست جورنال): (جمهور من السوريين يهتف هتافات معادية ويقذف الحجارة مهاجماً السفارة الأميركية، وقد أشعل هذا الجمع المؤلف من ألفي شخص عدة حرائق ومزق العلم الأميركي).
بعد أشهر قليلة من صدور قرار تقسيم فلسطين، جهزت سورية قرابة ثمانية آلاف من الشبان العرب وأدخلتهم إلى فلسطين للدفاع عنها.
في أيار من عام 1948 م كانت المعارك على أشدها في فلسطين، وكان السوريون وجيشهم من أشد الرجال دفاعاً عن فلسطين، وهذا ما ولَد قناعة تامة لدى الأميركان أن، انفجاراً معادياً لأميركا سينفجر بدمشق وهو مسألة وقت.

المخابرات المركزية الأميركية بدمشق

كل ذلك شجع الأميركان للدخول بسرية إلى سورية عن طريق جهاز مخابراتهم وكان ذلك عام 1949 م، وفي العام نفسه نفذت وكالة المخابرات المركزية الأميركية أول عملية لها في سورية.
في أواخر عام 1945 م أعلنت شركة أرامكو وهي مجموعة أميركية لها السيطرة على نفط السعودية، خططها لإنشاء خط أنابيب (التابلاين) من حقول النفط في الظهران إلى البحر الأبيض المتوسط، جاء اسم «تابلاين» من اختصار عبارة بالإنجليزية: Trans-Arabian Pipeline والتي تعني بالعربية «خط الأنابيب عبر البلاد العربية».
تمكنت أرامكو بمساعدة وزارة الخارجية الأميركية من تأمين حقوق المرور اللازمة من كل من لبنان والأردن والسعودية، بيد أن المفاوضات مع سورية وصلت إلى طريق مسدود في كانون الأول من عام 1946 م، ونتيجة التهديدات المبطنة لشركة أرامكو، خضع رئيس الوزراء السوري آنذاك (حسب رواية دوغلاس ليتل 1990 م) للتوقيع بالحروف الأولى في شهر أيلول من عام 1947م على مسودة امتياز لأرامكو، ولكن البرلمان السوري كان بالمرصاد لهذه الاتفاقية المجحفة بحق سورية، وقضى على أي فرصة لإقرار الامتياز للشركة الأميركية.. موقف البرلمان السوري من قضية خطوط النفط (التابلاين) كان السبب الرئيس للمخابرات المركزية الأميركية لقيامها بدعم حسني الزعيم للقيام بأول انقلاب عسكري في سورية وتوقيعه بعد ذلك منفرداً اتفاقية (التابلاين) حسب ما روى دوغلاس ليتل الأستاذ في جامعة كلارك الأميركية، في مقالته التي نشرها عام 1990 م في مجلة (ميدل ايست جورنال) فيقول: (عندما كشف مايلز كوبلاند، أحد المختصين بالشرق الأوسط في وكالة المخابرات المركزية الأميركية سابقاً، عن أنه هو وميد (الملحق العسكري الأميركي بدمشق الميجور ستيفن ميد) دبرا انقلاب آذار 1949 الذي أطاح خلاله رئيس الأركان حسني الزعيم بالقوتلي والعظم، اعتبر معظم المراقبين ادعاءاته على أنها كلام «بهورة» بيد أن السجلات التي رفع الحظر عنها مؤخراً تؤكد أن ميد اجتمع سراً اعتباراً من 30 تشرين الثاني 1948 مع الزعيم حسني الزعيم ست مرات على الأقل لبحث «إمكانية قيام دكتاتورية يدعمها الجيش» والظاهر أن المسؤولين الأميركيين أدركوا من البداية أن حسني الزعيم كان من طراز دكتاتوري «جمهوريات الموز» وأنه «لا يملك كفاءة عريف فرنسي» ولكنهم كانوا يعرفون أيضاً «موقفه الشديد العداء للسوفييت» واستعداده لبحث السلام مع إسرائيل، ورغبته في الحصول على مساعدة عسكرية أميركية).
يتابع دوغلاس ليتل الأستاذ في جامعة كلارك الأميركية بالقول: (أتم ميد وحسني الزعيم التخطيط للانقلاب في أوائل عام 1949، وفي 14 آذار، طلب حسني الزعيم من عملاء الولايات المتحدة أن يثيروا ويشجعوا على قيام اضطرابات داخلية باعتبارها جوهرية لقيام انقلاب، أو أن تزوده الولايات المتحدة بأموال لهذه الغاية في أقرب وقت ممكن.
بعد تسعة أيام أخذ حسني الزعيم يبدي دلائل على فقدان الثقة بأن تسير الأحداث كما يأمل، ولكنه مع ذلك وعد – الأميركان – بمفاجأة خلال عدة أيام إذا ضمن له الميجور ميد المساعدة الأميركية.
ومع تزايد الشائعات عن انقلاب عسكري وصل جورج ماكغي، مساعد وزير الخارجية الأميركي إلى دمشق، ظاهرياً لكي يبحث مع «حكومة سورية غير مستقرة «إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين، ولكن ربما لإعطاء الإذن أيضاً بدعم الولايات المتحدة لحسني الزعيم».
وفعلاً قام حسني الزعيم بأول انقلاب عسكري في سورية وكتب الميجور ميد في تقرير له بتاريخ 15 نيسان عام 1949 م أن: «أكثر من أربعمئة شيوعي في سائر أنحاء سورية قد اعتقلوا، وأن الزعيم مستعد لإبرام اتفاقية التابلاين بمجرد أن تعترف واشنطن بنظام حكمه». وهكذا قدم السفير الأميركي فان كيلي أوراق اعتماده في السادس والعشرين من نيسان إلى حسني الزعيم.
وتتالت مواقف حسني الزعيم المؤيدة لمصالح أميركا في بلادنا، ففي يوم 28 نيسان 1949 أبلغ حسني الزعيم السفير الأميركي، أن سورية ستستأنف محادثات السلام مع إسرائيل، كما أبلغه أنه يدرس إعادة توطين نحو 250000 لاجئ فلسطيني في «وادي الجزيرة» على امتداد الحدود العراقية.
وفي يوم 16 أيار من عام 1949 م صدقت الاتفاقية المعقودة بين الحكومة السورية، وشركة خط الأنابيب عبر البلاد العربية، والمعروفة بالتابلاين تحت رقم 74، وضرب عرض الحائط حسني الزعيم بكل المخاطر والأضرار الوطنية والمادية والاقتصادية التي ستلحق بسورية، وضرب أيضاً عرض الحائط برفض المجلس النيابي السوري لاتفاقية التابلاين!؟ حتى قيل حينها وحتى اليوم يقال، إنه السبب الرئيس لانقلاب حسني الزعيم هو اتفاقية التابلاين، وحول هذا الامتياز يقول المحامي فتح اللـه صقال وزير الأشغال العامة والمواصلات في حكومة حسني الزعيم إنه رفع تقريراً لحسني الزعيم ذكر به: (يتضح من مطالعة مشروع الاتفاق، أن هنالك دولة ستحل ضمن دولة أخرى).
وبذلك وفي عام 1949 م كانت أولى تجارب وكالة المخابرات المركزية الأميركية في سورية، ولم يأت عام 1957 م إلا وكان عصر الاستعمار الأميركي قد بدأ!؟




0 comments:

Post a Comment