Saturday, 1 June 2013

الشيخ رجب في مواجهة العلمانية: هل يستيقظ أتاتورك لمواجهته؟



الشيخ رجب في مواجهة العلمانية: هل يستيقظ أتاتورك لمواجهته؟
كنان القرحالي
“تحترمون قوانين سنّها سكيران، وترفضون قوانين أمر بها الدين” هذا ما قاله مؤخراً طيب رجب أردوغان رئيس الوزراء التركي دفاعاً عن مشروع قانون تقدمت به حكومته لتشديد القيود على بيع المشروبات الكحولية، لكن من هما السكيران الذين يتكلم عنهم رئيس الوزراء التركي؟
تُظهر الكثير من الصور الملتقطة لأردوغان وصورة مؤسس تركيا القومية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك خلفه، يجلس أردوغان في تلك الصور مبتسماً في حين يبدو “السكير” الأوّل الذي قصده أردوغان في قوله متصدراً الخلفية ممتعضاً وعابساً مما وصلت إليه الحال في البلاد التي أرادها أن تواكب العصر وترمي إلى غير رجعة عباءة التخلف والانحطاط العثمانية.
وبالرغم من عدم ظهوره في الصور فإنّ روح “السكير” الثاني لا تكاد تفارق الموقع الذي تعاقب عليه العلمانيون منذ عشرينيات القرن الماضي، تشارك روح عصمت اينونو هذا المشهد، وهو يرى أنّ التخلف الديني يعود إلى قيادات الدولة بقوة بل يكاد يسيطر عليها عبر إعادة ما محاه الرجلان بجهود علمانية جبارة، لكن هذه المرّة بتحريض رخيص وايقاظ مبتذل للمشاعر الدينية.
كان عصمت اينونو رئيس الوزراء المفضل عند أتاتورك لإخلاصه لفكرة علمانية الدولة وقد تولى رئاسة الوزراء في عهد أتاتورك سبع مرات، وبعد وفاته أصبح رئيساً لتركيا في عام 1938.
وكما تدرج أتاتورك في تركيا العثمانية حتى انقلب على السلطان العثماني وأعلن عن قيام جمهورية تركية قومية على النمط الأوربي العصري، فإنّ أردوغان عبر حصان الاسلام السياسي يراهن على فعل العكس بالتدريج أيضاً؛ يحاول جاهداً التركيز على الدين في آماله بإحياء العثمانية القديمة ولو بشكل متجدد، ولعل القصة التالية التي يروّج لها أنصاره تعطينا صورةً أوضح عن نشأة أردوغان الدينية وميوله إلى التطرف.
حيث يُقال أنّ مدرّس التربية الدينية سأل طلابه عمن يعرف أداء الصلاة ليعلّم رفاقه، فرفع أردوغان يده؛ أعطاه المدرّس صحيفة ليصلي عليها، وهي ما توفر له في الصف للصلاة عليه، فرفضها بشدّة بحجة أنها تحوي على صور نساء سافرات! دُهش المعلم وأطلق عليه لقب “الشيخ رجب”.
تلك القصة لم ولن تكون الأخيرة التي يتغنى بها أنصار العثمانية الجديدة، أيضاً هم يستمتعون برواية سبب تعرض الشيخ رجب لأربعة أشهر من الحبس، فقد سُجن إثر إلقائه شعراً في خطاب جماهيري من ديوان الشاعر التركي الإسلامي ضياء كوكالب، حيث تقول الأبيات:
مساجدنا ثكناتنا
قبابنا خوذاتنا
مآذننا حرابنا
والمصلون جنودنا
هذا الجيش المقدس يحرس ديننا
إنّه التغلغل العكسي، فهذه المرّة العثمانية الجديدة تتغلغل في كيان الدولة العلمانية الحديثة، فكيف يستطيع الشيخ رجب أن يفخر بأوّل “السكيرين” الذي منع البرقع وألغى القوانين الإسلامية في حقول الأحوال الشخصية بل استوحى القانون المدني التركي من القانون السويسري!
ولا شكّ أنّ الشيخ رجب ذكي بما يكفي ليدرك أن لا عثمانية من دون عثمانيين فيسارع إلى حبك قصص تنشر اسمه وترسّخ صورته لدى محبيه، فيرسل سفينة مرمرة إلى غزة المحاصرة، ويخرج من قاعة دافوس إثر ملاسنة مع شمعون بيريز، ويشارك في حملة الناتو على ليبيا، ويدعم التنظيمات الأصولية في سوريا.
بهذا السلوك، يضيف الشيخ رجب المزيد من القصص والأدلة عن تمسكه بالدين والمبادئ لأتباعه في تركيا وفي العالم العربي وفي ذات الوقت يكشف غطاءً لطالما انتظر تياره كشفه وأحقاداً دفينة متوارثة عن سلاطين لم تجف الدماء التي سفكوها بحق شعوب المنطقة؛ تصاحب قصص التمجيد تلك قصصاً تحط من صورة مؤسس الجمهورية التي يديرها رئاسة وزارتها أردوغان، فنقرأ مثلاً في موقع قصة الاسلام تعريفاً بأتاتورك مفاده:
“هو طاغية العصر، وإمام العلمانيين، وقدوة العملاء والخائنين، صار مثالاً لكل كاره ومبغض لدين الإسلام، ونموذجاً يُحتذى به في كيفية اختراق الصف المسلم والتغلغل بداخلة من أجل تفريقه وتمزيقه، وبالجملة فهو أشرّ خلق الله في عصره، ولا يعلم أحد كان نكبة على أمة الإسلام مثلما كان هذا المجرم اللعين”.
بينما نقرأ في ذات الموقع ترويجاً وتمنيات بالتوفيق للعثمانية الجديدة بقيادة العدالة والتنمية:
“إننا لا نضمن الجيش التركي ولا العلمانيين فيه، ولكننا نضمن ونطمئن تمامًا إلى أنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإلى أنّ الإسلام قادمٌ قادم، وإلى أن البركات التي يُنزِلها الله على الذين اختاروا منهجَ الإسلام أكثر وأعظم من أن تُحصى بورقة وقلم، أو تُحسب بالطرق المادية”.
ويبقى أن نذكر أنّ التلميح الآنف الذكر الذي ذكره أردوغان لم يفت على حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، فسارع إلى تقديم استجواب للبرلمان لتفسير ما قصده أردوغان بالـ “السكيرين”.
ماذا سيكون مصير تركيا العلمانية وقوانينهاالتي سنها “سكيران”؟ لعل القادم من الأيام يتأهب للإجابة عن هذا التساؤل، وسيكون للعلمانيين في تركيا كما حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك مسؤولية عظيمة في السير قدماً في كتابة التاريخ لا إعادته مئات
السنين إلى الوراء.

http://www.alhadathnews.net/archives/83792

0 comments:

Post a Comment