Thursday, 30 May 2013

دجاجة حزب القوات في حضن ثعلب التطرف


كنان القرحالي
“إننا شعب مضطهد منذ ثلاثة عشر قرناً، وقتالنا اليوم ليس إلا امتداداً لهذا الصراع عبر التاريخ” بهذه الكلمات كان وليد فارس يحاضر في المتدربين من القوات اللبنانية في العام الخامس من الحرب الأهلية اللبنانية.
وأسهب فارس آنذاك في سرد بعض ما رآه مناسباً من حقائق تاريخية للمتدربين والمتدربات في المعسكرات القتالية لموارنة القوات ليوقظ فيهم ما قد يجده المقاتلون المستمعون تبريراً مقنعاً لقتالهم، فيشرح لهم عن الغزو الاسلامي والتفاف المسيحيين القادمين من بلاد ما بين النهرين وسوريا وفلسطين في جبال لبنان، وكيف أنّ الموارنة كانوا تشكيلاً هاماً من هذه الشعوب التي رفضت الخضوع للفاتح الغازي وصدته، واستطاعوا تأسيس دولة مستقلة في جبل لبنان في القرن السابع الميلادي تدعى دولة المردة؛ دولة قاومت ببأس وشجاعة على مرّ قرون عديدة الخلافات العربية والاسلامية وحافظت على معظم أراضيها حرّة.
وسط هذا الشرح الذي قد يعتمد على حقائق تاريخية تناسب روح المعركة وقتها، كان المقاتلون من القوات يعتقدون ويؤمنون بأنّ قتالهم سيسمح للشعب المسيحي الاستمرار في العيش بكرامة مع أنّ الكثيرين منهم كان يجهل تاريخ كلّ الطوائف اللبنانية الأخرى.
السؤال الذي يستيقظ بعد زمن لا يعتبر ببعيد عن زمن الحرب الأهلية اللبنانية هو: ما الذي حصل لأجيال القوات بعد محاضرات واستحضار الماضي العظيم للأجداد طيلة الحرب الأهلية التي  دامت أكثر من 16 عاماً؟ كيف يمكن وبهذه السرعة أن ينسى محاربو الدفاع عن “الوجود” تاريخاً من صلابة الأجداد وصمودهم في وجه التمدد الاسلامي؟ هل فكر سمير جعجع أقوى من كل الأدبيات الأولى للقوات وتاريخ الأجداد أم أنّ خطاباً يستند إلى أحقاد ودماء الحرب الأهلية هي ما يُسهّل نسيان قرون من الاضطهاد، يقول جعجع في إحدى المقابلات: “إن كنا نتكل في استمرار الوجود المسيحي على أنظمة ديكتاتورية قائمة، فلمَ هذا الوجود؟” ويستطرد بذكاء لكي لا يقع في خانة مفضلي ابادة المسيحين على بقاءهم في ظل أنظمة ديكتاتورية: “ومن قال أنّ مكان الأنظمة ستأتي الأنظمة الأصولية؟” متناسياً ما حصل في تونس ومصر وليبيا، لكن ذكاءه لا يتماشى مع أدبيات القوات التي بنت على صراع الأجداد وخطر الوجود عندما يكمل في ذات المقابلة: “إنّ فزاعة الأنظمة الأصولية يُلوّح بها منذ خمسين سنة”.
يستغرب الكثيرون ممن عرفوا أدبيات القوات وقتال أتباع جعجع تحت راية هذا الفكر الخائف والمتخوف أبداً من الغزو والمد الاسلامي، ويتساءلون عن مدى سهولة التحول من رعب “الوجود” إلى راحة التواجد في تحالف مع عدو الماضي الذي كان بعبعاً لقرون لكنّه الآن وبتأثير السياسة والتوازنات ومصالح الزعيم الآنية صديق بل منقذ، وهو أمر يكاد يشبه لجوء دجاجة إلى حماية الثعالب لأنّها تكره الفلاح وزوجته النزقة.
تتحدث ريجينا صنيفر، التي عملت مع جعجع وخاضت دورات تدريبية في معسكرات القوات، عن نشأته في كتابها “ألقيت السلاح – امرأة في خضم الحرب اللبنانية”، فقد تمّ طرده من الشمال إثر مشاركته في عملية إهدن الاجرامية التي اغتيل خلالها طوني فرنجية، واستقر مع حفنة مقاتلين في دير يقع في أعالي جبيل حيث استطاع بعدها استضافة ألفاً من المقاتلين الأشداء، وانصرف جعجع إلى العمل والإعداد الحربي في ذلك الدير، وتذكر صنيفر بداية تشكّل صورة هذا الزعيم عندما كان في الدير: “كان لهذا النمط من السلوك والحياة في ذاك المكان، أن عزّز في الأذهان صورته كصوفي متنسّك، وبالرغم من خسارة الجبل، كان بعض المسيحيين يرون فيه عسكرياً صلباً، ورمزاً للقوة الحامية الرادعة ومسيحياً تقيّاً نقيّاً صفيّاً ورعاً وفيلسوفاً وحكيماً، فكان من الطبيعي في هذه الحالة أن يُلقّب بالحكيم أي الطبيب أو صاحب الحكمة!”.
بنى الرجل شعبيته على الأخطار التي تهدد المسيحين وانطلق من مخاوفهم، فتحدث كثيراً أيام الحرب عن ضرورة تعزيز حمايتهم الذاتية، واعتمد حديثاً يقوم على طابع فلسفي فافتتن به العديد من المسيحيين.
لكن كيف اقتنع القواتيون بالتحالف مع جهات اسلامية واضحة في سوريا والمشاركة في الضخ الاعلامي المرافق لها، وهم الذين عارضوا أموراً من هذه الناحية لا توازي هذا التحالف خطورةً ورعباً، ومنها اعتراضهم على انضمام لبنان إلى منظمة تحمل طابعاً اسلامياً هي المنظمة الاسلامية التربية والعلوم والثقافة (أيسيسكو)؛ وفي هذا الصدد، يمكن الاستعانة بتقرير ممهور بشعار حزب القوات اللبنانية بقلم جان عزيز عندما كان في صفوف القوات، حيث يذكر العديد من المخاوف من مثل هذه خطوة ومنها أنّ ميثاق المنظمة المذكورة يتضمن عبارات كثيرة من نوع:
-          “استجابةً لتطلعات الأمة الاسلامية… لترسيخ التضامن والتعاون بين شعوبها في ظل مبادئ الاسلام السمحة..”
-          “تأكيداً على ما يمثله الاسلام من قوة..”
-          “في إطار القيم والمثل العليا الاسلامية الثابتة…”
هذا التحالف الغريب من قبل القوات مع مجموعات اسلامية يطالب الكثير منها بالخلافة قد يكون أمراً غير مفهوماً بالنسبة لمراقب خارجي، لكنّه ربما يعود إلى نجاح الحزب في تغيير وجهة الخوف الوجودي الذي قام وحارب تحت شعاره، ونستعير مثالاً واضحاً من كلمة الأمين العام حنا عتيق* بتاريخ 13/1/2005 ونكتفي هنا بذكر فقرة تحت عنوان “لماذا وكيف نشأت القوات اللبنانية”:
“قبل أن نتكلم بأي موضوع أخر أريد أن نرجع بالذاكرة لماذا قامت القوات اللبنانية كحركة مقاومة لبنانية، ونراجع الدور الأساسي والدائم للعدو السوري في تدمير وطننا وقتل أهلنا ومحاولة القضاء على مجتمعنا حتّى هذه الساعة.”
مثل هذه الأدبيات الحديثة تلغي تلك القديمة التي قامت عليها الحرب، وهذا ما يترجم قصصياً بأنّ الدجاجة اختارت عدوها التاريخي الثعلب! بل هي تنتظره وتقف معه وجودياً ضد الفلاح الذي سرق بيضها وحجزها طيلة أعوام طويلة.
* قام حنا عتيق في أيلول 2012 بتأسيس ما أسماه الحركة التصحيحية في القوات اللبنانية.

0 comments:

Post a Comment