Saturday, 26 January 2013

الساعة الخامسة والعشرون.. كارثة.. لن تشرق الشمس بعدها على البشريــــة







إنني أشعر بهذا الحدث الهائل شعوراً لا يضاهيهِ إلا إحساسُ الجرذان المُسبق الذي يدعوهم إلى جحرِ مَركبٍ على وشك الغرق.. لن يكون لنا أي مأوى في أي مكانٍ من العالم)..‏

هذا ما صوَّره الأديب الروماني «قسطنطين جيورجيو» في «الساعة الخامسة والعشرون».. الرواية التي بيَّن فيها مقدار مأساوية العالم الغربي, بل مقدار انهيار الحضارة الغربية التي سحقت بتقدّمها الآلي والمجرَّد من القيم, إنسانية الإنسان, وبتفوق آلاتها عليه, وإلى الحدِّ الذي جعل «جيورجيو» يتصوَّر النهاية المرعبة للمجتمع البشري.. تلك النهاية التي ستظهر خلالها سلالات ليست بشرية ولا آلية, وإنما وكما أسماها «الرقيق التقني» الذي لابدَّ أن يسيطر على العالم, وبعد تكاثره وتمرّده عل الحضارة الذي أنتجته..‏
تدور أحداث الرواية أثناء الحرب العالمية الثانية, حيث استشرى الظلم والعنف اللذين حولا الإنسان إلى آلة قاتلة.. آلة لا تميّز بين الطيبة والقسوة أو بين سوءِ أو حسنِ النية, وهو ما حصل ضمن مجتمعٍ قال عنه «جيوجي»:‏
«إن هذا المجتمع حين يقتل أحداً, لايقتل شيئاً حياً بل فكره, وهنا وفي المنطقِ الصحيح, لا يمكن أن تُعزى إليه هذه الجريمة, لأن أيَّ آلةٍ لا يمكن اتهامها بارتكابِ جريمة».‏
إنه المجتمع الذي كان يعيش فيه ذاك الفلاح الشاب الذي تحكي عنه الرواية, والذي كان يعيش مع زوجته حياة هادئة وبسيطة, ليُساق فجأة إلى الحرب ولهدفٍ لم يكن أخلاقياً أبداً لطالما, كانت زوجته الجميلة هي الهدف, بينما كان هو الضحية التي تقاذفتها ويلات الحرب والمعاناة, وما بين معسكر تعذيبٍ وآخر, وبما جعله يتعرَّض لكلِّ أصناف الجشع والقسوة والظلم والعنف, وسوى ذلك مما وقع على الرومانيين واقترفته الجيوش النازية..‏
في المعتقلات, طُلب من هذا الفلاح أن يكتب سيرته الذاتية, ليقوم ولعجزهِ عن القراءة والكتابة, بالاستعانة بصديقٍ وإن كان يماثله في المصير, إلا أنه كان أديباً, دوَّنَ ما أملاه عليه الفلاح الذي ما أن انتهى من سردِ سيرة حياته, حتى طلب من صاحبه قراءتها لتدارك مالم يذكره فيها, ليبدأ الكاتب بقراءتها مستغرباً بكاء الفلاح الذي أجاب لدى سؤاله عن السبب:‏
«لم أكن أتصوَّر أنني مظلومٌ إلى هذه الدرجة».‏
أما عن سبب قيام «جيورجيو» بتسمية روايته «الساعة الخامسة والعشرون» فلاعتقاده بأنها تلك الساعة التي يتعذَّر على الإنسان بعدها أن ينجو بحياته دون هلاكٍ مؤكد.. الساعة التي تكون فيها كل محاولة لإنقاذه بلا جدوى.. إنها ما بعد الساعة الأخيرة وحيث لا يجدي قيام المسيح والصفح والغفران شيئاً لطالما تفجَّرت فيها الثورة التقنية وحوَّلت البشر إلى أرقام وآلاتٍ وأوراقٍ وكائنات آلية..‏
هذه هي «الساعة الخامسة والعشرون» الرواية التي امتلأت بأحداثٍ بشَّرت كل من يقرأها, بأن النهاية التي تُخطِّط لها القوى العالمية لن تكون أبداً إنسانية, وبما لا يمكن لأي نبيٍّ أو مُصلحٍ أن يفعل حياله شيئاً, وبما أكد عليه «جيورجيو» الذي تقمَّص شخصية مصلحٍ أيقن بعد أن عاش أحداث الرواية, بأن:‏
«العالم أوشك على دخول ساعته «الخامسة والعشرون», وهي الساعة التي لن تُشرق الشمس بعدها على الحضارة البشرية, والتي لن يحل بعدها يوم جديد.. إنها الساعة التي سيتحوَّل فيها البشر إلى أقليةٍ عاملة, لاتفكر ولا وظيفة لها 
غير إدارة جحافل الآلات وصيانتها وتنظيفها»..‏




السبت 26-1-2013
هفاف ميهوب



0 comments:

Post a Comment