Wednesday, 5 December 2012

قصة التلفزيون العربي



عندما رأيت الاستديو( الأنيق) القائم في قمة جبل قاسيون، قلت: هذه معجزة.. و عندما وقفت وسط الأجهزة الغريبة و الآلات المعقدة و قد باتت جاهزة للعمل قلت: معجزة..

و عندما تجولت بين أرجاء مبنى إدارة التلفزيون، و رأيت الدكتور صباح قباني يرد على الهاتف بمعدل مرة كل دقيقة.. ويستقبل الناس بمعدل عشرة كل ساعة.. ويبعث بالبرقيات العاجلة.. ويعقد الاجتماعات.. و يقول لي بكل ثقة عندما سألته 
مازحاً إذا كنا سنرى(التلفزيون) حقاً في 23 تموز:

- نعم.. ستراه.. و بصورة مشرفة.. إن شاء الله..

قلت، في نفسي، هذه معجزة.

و عندما رأيت المهندس سميح الموصلي يضع قدماً في أعلى جبل قاسيون و قدماً في مكتبه بإدارة التخطيط والإرسال، ويقول أن تجهيزاتنا الهندسية هي أعظم ما وصل إليه الفن التلفزيوني في العالم: قلت:

- هذه معجزة..

و عندما رأيت هيام طباع غارقة بين أكداس الألعاب و الكتب و أشياء أخرى لم أكن أعرف كنهها، و عبد الهادي البكار و قد اعتصم في مكتبه، بأعلى بناء التلفزيون. و قد أحاطت به عشرات من اللوحات و الصور، و تكدست أمامه الكتب و البرامج، و رأيت خلدون المالح يزيح أكداس الأوراق من فوق أحد الكراسي ليزيح لي مكاناً للجلوس، و (شوشته) الشهيرة منفوشة في مقدمة رأسه. و رأيت عادل خياطة كاللولب، يستقبل ممثلاً و يودع كاتباً، و يسجل على أية ورقة يجدها أمامه فكرة برنامج، أو مخطط مشهده.. و رأيت تيسير الحلبي يوقع الشيكات بالآلاف و مئات الآلاف.. و الملايين. و رأيت.. و رأيت..

عندما رأيت كل هذا هتفت بتأثر:

- هذه معجزات.. معجزات و ليست معجزة واحدة..و هذه هي الحقيقة..

إن تلفزيوننا سلسلة متصلة من المعجزات الخارقة، و أصر على هذا التعبير، تمت بسرعة قياسية، و تكاملت بشكل غريب.. و سوف تؤدي مهمتها بصورة مذهلة، بعد بضعة أيام ليس غير..

إن عمر هذه المعجزات، كلها،لا يتجاوز سبعة أو ثمانية أشهر على الأكثر.. و لو رأيتها عن كثب، و عشت معها كما عشت أنا لقلت، بثقة تامة، إن عمر هذه المعجزات لا يقل عن سبع أو ثماني سنوات. فإن الزمن لا يقلل أبداً من طابعها المعجز الذي يدهشك أينما أدرت بصرك بينها...

وليس يقلل من هذا الإعجاز أن أرويه لك في بضعة أعمدة، أو بضع صفحات.. فإن وراء كل حرف - كل حرف- من هذا الكلام.. عملاً.. و سهراً.. و جهداً.. و إخلاصاً.. و تفانياً.. و تعاوناً.. إلى آخر كل هذه المقومات التي تصنع المعجزات..

لقد بدأت المعجزة، برغبة أبداها الرئيس جمال عبد الناصر. قال أن الوقت قد حان لكي تخطو الدولة بالشعب خطوة جديدة في طريق الرخاء، و أن تقدم قمة ما وصل إليه الإبداع الإنساني.. وكان الرئيس يعني كلمة واحدة هي (التلفزيون)..

وتلقف هذه الرغبة، الرجل الفولاذي الذي يقف وراء كل خطوة تخطوها الجمهورية العربية المتحدة .. تلقفها الدكتور محمد عبد القادر حاتم..

و أول صفات عبد القادر حاتم أنه رجل لا يعرف- و لعله لم يسمع- بأن في القاموس شيئاً اسمه (المستحيل) وبدأ الدكتور عبد القادر حاتم العمل في الحال.

عقد اجتماعاً خطيراً، ضم أركان إذاعات الجمهورية المتحدة و كان بينهم – عن الإقليم الشمالي- الأساتذة فؤاد شهاب.. يحيى الشهابي.. سميح الموصلي..

و تحدث الدكتور حاتم.. تحدث طويلاً جداً.. قال إن (التلفزيون العربي) –الذي لم يكن إذ ذاك أكثر من فكرة- يجب أن يبدأ الإرسال في عيد الثورة الثامن 23 تموز 1960 قال إن هذا التلفزيون يجب أن يكون بالغاً أقصى درجات الكمال.

وألا يقل في مستواه عن أي تلفزيون راق في أية بقعة أخرى من العالم. قال إن هذا التلفزيون.. يجب أن يشمل الجمهورية بكاملها.. من القامشلي - في أقصى الشمال - إلى أسوان - في أقصى الجنوب. قال إن العمل في هذا التلفزيون يجب أن يبدأ فوراً.. قال إن كل ما يطلبه المدراء و المهندسون سوف يجاب من غير تلكؤ أو إبطاء.. و ختم كلامه قائلاً مرة أخرى، إن هذا التلفزيون يجب أن يبدأ في عيد الثوري الثامن... و بدأت المعركة الهائلة..

* * *

كان (الأعداء) الذين خضنا المعركة ضدهم، كثيرين:



· الزمن..

· عدم وجود الخبراء..

· تفاوت الارتفاعات, انعدامها في أمكنة و كثرتها في أمكنة أخرى.

· عدم وجود الأجهزة و المعدات.

كان الزمن هو أكبر أولئك الأعداء، بل كلن هو الأب الشرعي لهم، كان علينا أن نصنع في أشهر ما صنعه سوانا في عشرات السنين و بعبارة أخرى.. كان علينا أن نصنع معجزة.. أو سلسة من المعجزات..

و وقع الاشتباك مع الأعداء بسرعة.. كنا نحن الذين بدأنا القتال.. نحن الذين صنعنا المعركة و كان علينا أن نخوضها منذ نلك الاجتماع الذي عقده الدكتور حاتم حتى اللحظة التي يقف فيها المذيع ليقول بكل بساطة:

- هنا التلفزيون العربي في دمشق.. أو القاهرة..

* * *

منذ أشهر.. و أنا أسأل من ألقاه من أولئك الذين خاضوا المعركة الهائلة:

- ألست خائفاً؟..

و كنت أشفق من الجواب، ولكنني لم أكن لأستغرب لو كان بالإيجاب، ومع هذا - صدقوني-

سمعت جواباً واحداً لا يتغير:

- لا ...

ثم يردف محدثي بكل ثقة:

- سوف تشهدون التلفزيون يوم احتفالكم بالعيد الثامن للثورة إن شاء الله..

* * *

هكذا كانت البداية...

ثم تطور الأمر بسرعة خارقة.. و كانت بداية التطور كلها على الورق.. سلسلة طويلة من الدراسات المادية.. والفنية.. والهندسية..

و بنتيجة هذه الدراسات تقرر:

· طرح إنشاء المشروع في مناقصة عالمية قصيرة الأجل.

· إيفاد الإذاعيين و الفنانين الذي يقع الاختيار عليهم ف بعثات دراسية إلى مختلف بلاد العالم التي بلغت مرتبة ممتازة في الفن التلفزيوني.

· إنشاء إدارة خاصة بالتلفزيون، في كل من الإقليمين.

· المباشرة بتشييد الأبنية اللازمة.

· إنشاء شركة (النصر) - التابعة للمؤسسة الاقتصادية- لصنع أجهزة التلفزيون في الجمهورية العربية المتحدة.. و هكذا اتسعت (الجبهة) و تعددت ميادين القتال حتى كادت تشمل نصف الكرة الأرضية على الأقل..

واشترك في المناقصة العالمية عدد كبير من الدول.. أميركة.. ألمانية.. اليابان.. بلجيكا.. و غيرها..

ووقع الاختيار على شركة R.C.A. الأمريكية لتقوم بالتنفيذ..

وفي القاهرة و دمشق.. احتفل بإرساء حجر الأساس في أضخم مبنيين للتلفزيون و الإذاعة في المنطقة كلها.. وفي نفس الوقت.. بدأت الدراسات الفنية لاختيار مناطق إنشاء الاستديوهات المؤقتة.. ومحطات الإرسال..

كانت هذه العملية بالنسبة للإقليم الشمالي نوعاً من الأشغال الشاقة.. فأراضيه تجمع كل ما في الدنيا من تضاريس.. مرتفعات تصل إلى بضع مئات من الأمتار.. ومنخفضات تهبط إلى بضع عشرات من الأمتار.. جبال سلاسل متصلة منها تقطع الإقليم شرقاً وغرباً.. مدن قائمة في أعالي الجبال.. و أخرى قائمة في بطون الوديان.. و كان يجب دراسة كل شبر من هذه الأراضي و قياسها واختيار المناطق الصالحة للغاية المنشودة.. فالتلفزيون يجب أن يصل إلى كل مواطن.. سواء كان ساكناً في قمة جبل أو في بطن واد..

و رؤي أن يتم تنفيذ المشروع على مراحل لا تستغرق - بكاملها- أكثر من عامين أو ثلاثة..

كانت المرحلة الأولى - هي أصعب المراحل على الإطلاق- تقضي بإنشاء استديو على قمة جبل قاسيون.. في نقطة معينة حددت بدقة.. و البدء بإنشاء المبنى الضخم الذي قلنا أنه أضخم مبنيين للإذاعة و التلفزيون في المنطقة كلها..

و في نفس الوقت أيضاً.. كانت بعثاتنا قد تحركت.. و تفرق أعضاؤها في أوربة و أميركة ليدرسوا – في مدة مثالية في قصرها – كل فنون و فروع العمل التلفزيوني.. و كانت الغاية من (بعثرة) البعثات في عدد كبير من البلدان ذات شقين: الشق الأول- هو الاطلاع على أصول و أساليب العمل المختلفة التي يعمل كل بلد بها.. لنأخذ أحسن ما توصل إليه فن التلفزيون في العالم كله.. الشق الثاني- احتياط، مجرد احتياط، لما قد يقع من حوادث عالمية في إحدى مناطق العالم فتقصم ظهر مشروعنا فيما لو كانت المنطقة التي وقع فيها الحادث هي التي تركزت بعثاتنا كلها فيها.. و هكذا.. ذهب الدكتور صباح قباني، الذي وقع الاختيار عليه ليكون مديراً للتلفزيون في الإقليم و هيام طباع و عدد من الإذاعيين في الإقليم الجنوبي، إلى أميركة.. ذهب خلدون المالح وسامي جانو إلى إيطاليا .. ذهب عبد الهادي البكار وعادل خياطة إلى ألمانيا.. ذهب مروان شاهين و نزار شرابي وعبد الرزاق الحلبي و حسن بحبوح و راتب الحنفي و نهاد فائق و غيرهم إلى القاهرة.. و كان كل منهم يختص بفرع خاص من فروع التلفزيون..

وفي نفس الوقت كذلك.. جاءت إلى الإقليم الشمالي لجنة مؤلفة من الأستاذين فؤاد الشائب و سعد لبيب، في الأخبار والنصوص والبرامج والتمثيل والإدارة الفنية الخ.. واختير عدد منهم ألحقوا بدراسات فنية في القاهرة.. وفي نفس الوقت أيضاً تم التعاقد مع شركتي R.C.A. و فيليبس، الأولى أمريكية و الثانية هولندية، على استيراد حوالي أربعين ألف جهاز استقبال من القياسات الثلاثة 21 و 17 و 14 بوصة.. لتباع للجمهور بأسعار الكلفة.. من غير أرباح.. و من غير جمارك.. و بالتقسيط البسيط أيضاً.. وفي نفس الوقت، أيضاً وأيضاً بدئ بإنشاء مصنع لإنتاج أجهزة التلفزيون محلياً، لتوفيرها لكافة المواطنين بأسعار زهيدة.. و لحفظ ثروة البلاد من القطع النادر.. و لن تمضي بضعة أشهر أخرى، حتى تغزوا الأجهزة، التي صنعناها بأيدينا، الأسواق و تلبي حاجة كل مواطن من القامشلي إلى أسوان.

* * *

كل هذا، حدث في ستة أشهر تقريباً.. و بعد هذه المدة، كان التلفزيون الذي بدأ فكرة في رأس الرئيس جمال عبد الناصر.. و مشروعاً بين يدي الدكتور عبد القادر حاتم.. كان هذا الوليد قد أصبح عملاقاً ضخماً..

لقد نظر الناس، ذات يوم، إلى أعلى قمة في جبل قاسيون.. فرأوا شيئاً غريباً..

رأوا بناء، مؤلفاً من طابقين، قد قام – فجأة ! – في قمة جبلهم. و أصبح البناء حديث الناس. و لشد ما أتمنى لو استطلع كل مواطن أن يرى هذا البناء.. إذن لآمن – كما آمنت – بأننا قد صنعنا معجزة.. لقد جرى العمل في هذا البناء بمدة مثالية مذهلة.. كان العمال يعملون أربعاً و عشرين ساعة في اليوم.. ثلاث دفعات منهم يعمل كل منها ثماني ساعات.. و في أشهر قليلة, أرسيت الأسس و ارتفع البناء..

كان العمال.. و المهندسون و الفنيون يعملون من غير انقطاع.. الأجهزة الدقيقة الثمينة، وصلت كلها إلى القمة ليصار إلى تركيبها في الحال..

الهوائي الضخم، الذي يرتفع إلى خمسين متراً، مضافاً إليها اثنا عشر متراً أخرى، يتطاول يوماً بعد يوم.. أعمال البناء و التجميل و الطلاء تجري في نفس الوقت الذي يجري فيه تركيب الأجهزة..

و رأيت في ذلك البناء تفسيراً مجسماً مجسداً لمعنى كلمة (التعاون)، كان كل فرد من أولئك الذين صنعوا المعجزة يشعر بأنه مسئول شخصياً عن إنجازها لم يكن هناك رئيس و مرؤوس.. كان هناك – فقط – عمل ضخم يجب أن يتم في موعده...

و رأيت المهندس سعد الحسيني جالساً على الأرض في وسط (البلاتو) يتناول غداءه مع عشرة من عمال البناء..و رأيت المهندسين و الأخصائيين من الإقليمين يأكلون – و هم وقوف – على صندوق خشبي من الصناديق التي جاءت الأجهزة بها و هم يتحدثون عما أنجزوه و عما سوف ينجزونه اليوم..

رأيت سيارات الشحن و هي تتسلق الجبل لاهثة بأحمالها و يفرونها برفق و حنان.. فهم يعلمون أمها أجهزة ثمينة جداً.. و يؤمنون أن سلامتها قضية شخصية لكل منهم.. لقد قال لي أحد عمال البناء و هو يربت على أحد الأجهزة:

- أنظر إليه.. ما أجمله.. إن ثمنه هو نصف مليون ليرة..

كان المتحدث عامل بناء و ليس مهندساً و مع هذا فقد كان يؤمن إيماناً راسخاً بقيمة العمل الذي يقوم به، ومسؤوليته، هو شخصياً فيه..

وصعدت إلى سطح المبنى، و نظرت إلى المدينة المسترخية بتكاسل في قيلولة الظهيرة.. ثم نظرت إلى أسفل البناء.. كان العمال يتصايحون و هم يثبتون القسم الثاني من الهوائي الضخم، تحت أشعة الشمس اللاهبة.. وسألت الأستاذ راتب حنفي:

- ماذا بقي عليكم؟ .. أجابني بهدوء:

- كدنا ننتهي.. ببل يمكننا أن نبدأ بالإرسال غداً..

و تذكرت أن اليوم هو السابع من تموز.. و أن موعد البدء بالإرسال هو الثالث و العشرون منه.

إذن.. فقد انتصرنا.. قهرنا الزمن.. صنعنا المعجزة قبل الوقت المحدد لها..

و نظرت إلى الطريق المشقوق في قلب الجبل، و هو يتلوى كالأحفوان صاعداً إلى قمة الجبل.

كانت بضع سيارات، تابعة للتلفزيون طبعاً، تتسلق ذلك الطريق بجهد.. و لكن بثبات و عزم.. و هي تدوس في كل خطوة تخطوها نحو القمة، أشلاء الزمن الذي صرعناه عندما صنعنا سلسلة هائلة من المعجزات في أقل من ثمانية أشهر.

عندما صنعنا أحدث و أرقى محطات التلفزيون في العالم..

و بعد أيام.. تشرق أربعون ألف شاشة تلفزيون الجمهورية لتنقل إلى المواطنين صورة مذيعينا و هم يقولون لهم :

- هنا التلفزيون العربي في القاهرة..

- هنا التلفزيون العربي في دمشق...


كتب محيي الدين القابسي
هنا دمـشق 16 تموز1960

0 comments:

Post a Comment