Sunday, 20 May 2012

البحث عن مصير .. الارهابيون تائهون


لا يمكن عند الحديث عن المسلحين تجاهل الحديث عن مصيرهم . فهؤلاء وضعوا كل بيضهم في سلة الخارج سواء عن قصد منهم أو عن غباء . في النهاية هم محكومون بلعبة اكبر منهم و حتى ربما أكبر ممن يديرهم مباشرة .

التائهون

طوال أشهر كان السؤال الأكثر الحاحا عن مصيرهم سواء اذا نجحوا في ثورتهم أو اذا فشلوا . الاحتمالان ظلا واردين في مخيلة الكثيرين حتى بدأت تكشر الدولة عن أنيابها .. فتحول الاختيار الى اجبار . الثورة محكومة بالفشل و المصير أصبح في اتجاه واحد لا رجعة عنه.
في سهول الارياف السورية الشاسعة ، ثمة أسئلة تقض مضجع كثيرين. هؤلاء أصبحوا ينامون في البساتين مترقبين لمعجزة تعبط عليهم من السماء فتجعلهم المنتصرين بعد أن أعياهم الفشل.
فسواء الذي انخرطوا في حمل السلاح و السرقة ثم تابوا او أولئك الذين ما زالوا يراهنون على الثورة  هم في حالة من الضياع خانقة .
انهم ينتظرون مصيرا لا لبس فيه : الاعتقال أو المواجهة المميتة التي لا قدرة لهم بها.
طوال أسابيع كنت أراقب تطورات السلوك الخاص في هؤلاء .
بعد العاشر من نيسان وجدت الضياع قد ترسخ في دواخلهم . لقد لقنهم الجيش درسا قاسيا لكنه ليس بالمميت . ربما تقصد الجيش ذلك لحكمة لا أعرفها و ألومه عليها .
ضربات الجيش كانت خاطفة لكنها غير حاسمة . بقيت شراذمهم منتشرة الى ما بعد العاشر من نيسان لكنها ضائعة لا تدري ما تفعل .
الجيش صار مقابلهم لا يستطيعون في وجوده فعل ما كانوا يفعلون . لكنهم و رغم لك لا يستطيعون الاستسلام, أهي الكبرياء؟؟
لا أدري لكني أجزم أن لا كبرياء لهؤلاء .
خلال أسابيع ظل هؤلاء خارج قراهم يخشون العودة خوف الاعتقال . رغم النداءات الكثيرة التي وجهت لهم لتسليم أنفسهم و تسوية أوضاع من لم تتلطخ منهم  أيديه بالدماء ظل هؤلاء مكابرين .
ظلوا يتحينون الفرصة للعودة الى قراهم .
بعد انتظار ممل قرروا العودة بعد أن وطأت اقدام المراقبين الدوليين سورية . عادوا و هم يتحينون الفرصة للعودة الى حمل السلاح .
قناعاتهم لا يمكن تبديلها. النظام السوري لن يسقط و الدولة قوية. عندما تواجههم بهذه الحقيقة يغضبون و يقولون انه ساقط و المسألة مسالة وقت.
لا جدال و لا نقاش ينفع معهم . من هم مؤهلون لنقاشهم لا يفعلون ذلك لخوفهم من غارات ليلية عليهم تقتلهم بتهمة مولاة النظام.
يكتفي هؤلاء بالصمت و بتمرير الرسائل الودية بطريقة غير مباشرة.
عاد هؤلاء الى القرى و عادوا الى نشاطهم في تنظيم السهرات الثورية لبيعها للقنوات الفضائية.
في اخر سهرة ثورية لهم كنت شاهدا عليها نشروا قناصين على مآذن الجوامع لمقاومة الجيش ان هو حاول القبض عليهم.
انفضوا بعد ساعة و بثت هذه السهرة الثورية في اليوم التالي على الجزيرة مباشر.

مأزق النهاية

عندما يغيب مفهوم الوطن و المواطنة و الوطنية تصبح معالجة الامور بالحوار مضيعة للوقت. هؤلاء لا يدركون معنى الوطن و ان أدركو فان المال الذي يقبضونه يجعلهم مجبرين على طمسه و اخفائه. عندما تسألهم ماذا تريدون يجيبون بجهل : اسقاط النظام!!
لكنك عندما تدخل معهم في نقاش حول هذا المعنى تدرك جيدا أن ما يريدونه في الحقيقة هو بقاء الوضع على ما هو عليه.
هم الأن لا يريدون اسقاط النظام و لا يريدون انتهاء الوضع الشاذ الذي تعيشه سورية.
قد يفاجأ البعض بهذا الاستنتاج لكنه للأسف الحقيقة الساطعة التي لا مراء فيها.
عندما تحاول فرز هؤلاء و تصنيفهم ستدرك الحقيقة القاسية التي ابتليت فيها سورية و التي لا ينفع معها الا الحسم العسكري.
ينقسم هؤلاء"الثوار" الى اقسام عدة و يدينون بولاءات مختلفة.
الجزء الأصغر منهم هم اخوان مسلمون سابقون و عائلاتهم. هؤلاء دخلوا السجون على خلفية أحداث الثمانينات و قضوا فترة طويلة فيها ثم أخرجوا في نهايات التسعينات.
هؤلاء و عائلاتهم لهم ثأر مع الحكومة يريدون تصفيته .
هذا الثأر يعميهم و يجعلهم في حماسة بالغة لاسقاط النظام غير مدركين حقيقة معنى هذا المصطلح.
ظل هؤلاء طوال سنوات يتلقون المعونة من انصار الاخوان في سورية بطريقة سرية.
الجزء الأخر و الاكبر هم العاطلون عن العمل. وجد هؤلاء في "العمل الثوري"مصدر رزق لا يريدون له أن ينقطع. سقوط النظام أو انتهاء الأزمة يعني تجفيف منابع الدعم عنهم.
هذا القسم تحديدا يحتاج الى دراسة مستفيضة. فهؤلاء يشكلون اصل المشكلة في سورية. انهم الفاعلون الرئيسيون على الأرض و المرتزقة الحقيقيون الذين قال عنهم الرئيس الأسد في مقابلته الأخيرة مع التلفزيون الروسي انه يقاتلهم.
المشكلة ليست في عطالتهم بل في رفضهم العمل.عندما تراجع تاريخ أحد منهم تجدهم عاطلون عن العمل باختيار و ليس باجبار.
رغم البطالة في سورية و التي تعتبر أس بلاء هذا الوطن ، الا أن كثيرا منهم عاطلون بالاختيار . فهؤلاء اختاروا البطالة لعدم رغبتهم في العمل المتعب .
عندما انضموا "للثورة" وجدوا أن هذا الخيار يؤمن لهم المال دون تعب و بذل جهد  كبير.
فهم يحملون السلاح و يشربون القهوة و الشاي و هم في أماكنهم غير مضطرين الى الانتقال الى مكان أخر للعمل.
بعضهم لا تتجاوز مهمته مهمة الكشاف الجالس في مكانه و الذي ينقل الأخبار و هو جالس على قارعة الطريق يدخن و يشرب الشاي و القهوة و ينظر في السياسة و العسكرية.
انها وسيلة لكسب المال و قتل الوقت الذي كان مقتولا أصلا و لكن دون مال.
هؤلاء لا يتمنون انتهاء الأزمة سواء بسقوط النظام أو بقائه. فأي الخيارين السابقين سيبقي على بطالتهم و لكنه أيضا سيقطع عنهم المال الذي يأكلون منه و يشربون.
القسم الثالث هم المهربون المحترفون. للصدفة فان كل المحافظات السورية هي محافظات حدودية.
حسب دراسة سورية نشرت منذ عامين و تزامنت مع الانفتاح السوري على تركيا، فان ما يزيد عن ثلث السوريين يعيشون على الشريط المتاخم للحدود التركية.
هذه الحقيقة تترافق أيضا مع حقيقة مرة و هي أن جزءا كبيرا من معيشة هؤلاء تعتمد على التهريب .و التهريب أساسا أنواع فهو يتنوع من تهريب الماوزت نحو الداخل التركي و هو الأكثر شيوعا الى تهريب حبوب الكبتاغون و المخدرات الى الداخل السوري و ما بينهما هو تهريب من نوع مضحك..كتهريب الشاي الى تركيا و تهريب الملابس الى سورية.
وجد هؤلاء المهربين الفرصة سانحة للتهريب بعيدا عن أعين الجهات المختصة.
يمكن تصنيف هذه الفترة بالنسبة للمهربين بالفترة الذهبية . فمهربي المازوت ازدهروا. فبالرغم من أزمة المازوت التي تعيشها سورية ، الا أن الأزمة لم يعان هؤلاء منها.تقول الحكومة السورية بان امدادات المازوت لمحطات الوقود ازدادت الى هذه المحطات الا أن المواطن البسيط لم يلمس هذه الزيادة بسبب التهريب.
الامدادات الحكومية ازدادت الا أن المهربين أصحاب المحطات ظلوا يتعللون بانقطاعها و عدم وصولها اليهم. هؤلاء كذابون.فعدم وجود المازوت في المحطات مرده الى أمرين و هما اما تهريبه الى تركيا و اما بيعه في السوق السوداء بسعر وصل الى 35 ليرة سورية للتر الواحد.
قليلة هي الكميات التي يبيعها أصحاب المحطات الى الناس العاديين. معظم الكميات التي تصلهم تنقل الى صهاريج خاصة لبيعها في السوق السوداء او تهرب الى تركيا.

انتهاء الأزمة يعني عودة الأمور الى سابق عهدها من التشدد في الرقابة و الضبط.

6 comments:

Post a Comment