Thursday, 12 May 2011

الغرب اذ يراقب العرب

الغرب اذ يراقب العرب

هذه المنطقة لن تهدأ . أقصد هنا بالضبط منطقتنا العربية ذات العمق الممتد الى حدود الصين شرقا و الى حدود أفريقيا الغربية غربا . لا يمكن بأي حال من الأحوال تصور أن يتخلى الغرب عن نفوذ تاريخي يظنه أنه أبدي. المصالح الغربية في هذه المنطقة لا تخطئها العين بل انها تمددت و استولت على مصالح حيوية لأبناء هذه المنطقة و أخذت باعتبارها مصالح أمن قومي لها.
الأسباب التي يمكن سوقها في معرض حديثي عن يقيني بأن هذه المنطقة لن تهدأ كثيرة ( الهدوء هنا هو الهدوء الذي يوصل الى تنمية و حرية و شفافية )
أحد أهم الأسباب لهذا اليقين الأخذ في التجذر هو ذاك التضارب المصلحي العميق بين الغرب و أهل هذه المنطقة . التضارب المصلحي هنا نابع من أن امتيازات كبيرة سيفقدها هذا الغرب ان نشأت في منطقتنا أنظمة نابعة من رغبة الشعوب. رغبة الشعوب تعني وضع مصالح هذه الدول تحت رحمة صندوق الاقتراع و أدوات المحاسبة . كلنا يعرف أن ما يحصل بين الأنظمة و الغرب هي في معظمها صفقات تتم بعيدا عن أعين الناس و حتى ان علموا بها فانهم عاجزون عن الفعل في ضوء التسلط الذي يعيشون تحته .
يتوجس الغرب من شيئين اثنين في هذه المنطقة : المشاعر القومية و المرجعية الاسلامية لهذه الشعوب . هو يقبل أن تظل هذه المرجعيات مجرد تجربة شعورية لا تخرج عن كونها مرتبطة بمشاعر متوارثة لا تؤثر على السياسة العامة للدول. الانفتاح السياسي هو حكما سيتيح لهذه الشعوب الاختيار و الاختيار سيجعل للتوجهين القومي و الاسلامي حصة في الحياة السياسية و بالتالي القدرة على التأثير .
يفضل الغرب النموذج الأوربي الشرقي في الاصلاح في العالم العربي . هو يريد انفتاحا سياسيا تحت رعايته و توجيهه و تأثيره . اذا نظرنا الى أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين سنلاحظ شيئا مهما وو هو أن هذ الدول قد استطاعت بناء ديمقراطية لكنها ديمقراطية مقيدة بالولاء للولايات المتحدة . الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وصف هذه الدول بأوروبا الجديدة و وصف أوروبا الغربية بأوروبا القديمة في خضم النقاش الحاد و المساومات الكبرى التي سبقت الحرب على العراق في العام 2003 . اصطفت أوروبا الشرقية الى جانب الولايات المتحدة و ناصرتها في وجه جيرانها الغربيين . هذا بالضبط ما يسعى له الغرب في المنطقة . الديمقراطية التي يريدها لنا هي ديمقرطيته المضبوطة حسب أجندته .
تنتشر مسلمة في الاعلام العربي و العالمي بأن النموذج التركي قد يكون مناسبا للعرب . فالمواءمة بين القيم الاسلامية و العلمانية التي انتهجها حزب العدالة و التنمية أغرت الكثيرين في اسقاط هذا النموذج على العالم العربي. الأمر يبدو صحيحا للوهلة الأولى الا أن التدقيق فيه يوصلنا الى مفترقات طرق عديدة و مصيرية . فالعرب في هذه المنطقة ذاقوا مر العذاب من نكبة فلسطين و لا تزال هذه القضية مسيطرة عليهم و على نقاشاتهم حتى اليوم ، حتى أن المواجهات العسكرية بينهم و بين "اسرائيل" لم تنته بل هي تتكرر بين الفترة و الأخرى على جبهات عديدة . الحكم التركي لم يواجه هذه المعضلة التي يواجهها العرب و بالتالي فان ما يقوله الغرب عن الاعتدال في العدالة و التنمية لا يمكن اختبارها الا عندما يوضع هذه الحكم في موضع الحركات القومية والاسلامية لنرى ردة فعله . أثق أنا تماما بأن ردة الفعل التركية لن تختلف عن ردة الفعل العربية على مشروعية وجود اسرائيل و هذه بالضبط مشكلة الغرب و مقياسه للحكم على الاعتدال و التطرف.
فتركيا و عندما حاولت أن تتخذ موقفا من اسرائيل ، أخذ الغرب يتهم رئيس وزرائها بالتطرف بل انه تم تحريك حزب العملال الكردستاني للضغط على تركيا و اقلاقها .
انها المساومات الكبرى على مصير الأوطان عنما يصبح الجمود في رأس الهرم جامدا و متحجرا غير قادر على الابتداع .



مصطفى حميدو

0 comments:

Post a Comment