Wednesday, 8 December 2010

مأزق مصر و أزمة مبارك

مأزق مصر و أزمة مبارك




هي نموذج بكل تأكيد لنوع من الديكتاتورية غير المنضبطة التي تستبد بالكل دون تمييز و تجعل من الكل ضحايا لمصالح ضيقة. أتكلم هنا عن الانتخابات المصرية التي أرهقتني بقدر ما أرهقت المنخرطين فعلا. ففي بلد يعد اليوم ما يقارب 85 مليون و ضمن ظروف صعبة يعيش فيها الناس انتخب الناس من أفقروهم و "شرشحوهم" و جعلوهم أضحوكة للعامل كله . تبدو النتيجة السابقة مضحكة لكنها للأسف الواقع الذي فرضه حكام مصر على الناس. لا أستبعد هنا مسؤولية للناس عما حصل و سيحصل. فن النفاق الذي أدمنته شرائح واسعة منهم و عدم القدرة على الفرز الصحيح لما يحدث حولهم جعلتهم ضحايا مع أنهم أحد الأسباب المباشرة.




تحليل سلوكيات الناس هي مسألة صعبة بلا شك، لكنه يجوز لنا أن نقوم بالاضاءة على بعض الأمور و محاولة فهمها. في دول اشتراكية و متحولة الى الرأسمالية تبدو حاجة الناس الى ملجأ حاجة ضرورية. تكوين الناس الفطري يجعلهم يظنون أن من يحكمهم سيعطف عليهم في النهاية و سيقف في جانبهم. من هنا نرى مناشدات لرئيس الجمهمورية و شكاوى على المسؤولين التنفيذيين تطير اليه بين الحين و الأخر و كأن الرئيس غير مسؤول أو كأنه غير عارف بما يدور. هذه بالضبط المأساة التي تجعل الحقيقة مؤلمة: الفصل بين قمة الهرم و أعوانه، و كأن قمة الهرم غير مسؤولة على تصرفات أعوانها.في ثقافة الشرق دائما ما يحيد الحاكم و تصبغ عليه صفات الأبوة و الحنان ، و كأنه لا يحكم و لا يتخذ القرارات .



حتى عندما أرادو استنكار النتيجة الصاعقة للانتخابات طيروا مناشدة للرئيس كي يحل البرلمان و كأن الرئيس غائب عما يحصل. انها نفس الكذبة التي كانوا يرددونها عن الفساد و عن أن الرئيس لا يعرف عنه شيئا و هو ان عرف فسيكون أول المحاربين له . انها أيضا نفس خرافة عدم علم الرئيس بتجاوزات الامن و التي تقول بأنه لو عرف بما يحدث لكف يدهم و لزجهم بالسجون بدلا ممن يزجون.



انها أشياء سخيفة تثبت ان المسؤولية أولا و أخيرا هي مسؤولية السذج منا الذي فقدوا الأمل فكان املهم معلقا بالدولة و أدواتها.الدولة في منظور البسطاء هي أب و ان قسا فانه لا بد أن يحنو في النهاية. ليس الأمر ببعيد عن الحقيقة السابقة. وجود الدولة في النهاية كجهاز تنظيمي هو أساسا مرتبط بمصالح الناس و تأمين مستقبلهم. جزء من الخيال الرومانسي لوظيفة الدولة قد تجده في مهامها. هي انشأت لمساعدتنا و تنظيم أمورنا.المشكلة تكمن عندما يتم الخلط بين الحكومة و الدولة. الحكومة هي تشكيل من أفراد من حزب أو أحزاب يقوم بادارة الدولة. عندما تختلط الوظائف و تصبح الحكومة هي الدولة يبدأ الاستبداد.



أعرف أنها فذلكة تحتمل الرد و الرد العنيف أحيانا لكنها محاولة للفهم. أهم شيء في أي فهم هو فهم منطقها لكن ما حدث لا يمكن تبريره بأي منطق. نقرأ كثيرا و نسمع عن سيطرة "رجال الاعمال" على الحزب و الحكومة و بالتالي على الدولة. يقولون بأنهم من طبخوا ما حدث و أطعموه للناس. قد تكون هذه هي الحقيقة لكنها ناقصة و كمالها لا يصح من دون أن نقول أن الناس قد لحقوا غرائزهم فوافقوا و انتخبوا و بصموا و أكلوا اللحم و صلو في المساجد التي بنيت لهم كرشاوى لكي يصوتوا.



البعض يطالب بالجيش ليسيطر على الحكم ويطرد هؤلاء الممسكين به الأن. انه طرح خطير و غبي. كل المصائب التي حلت بمصر خصوصا و الشرق عموما كانت قادمة من الجيش و أجهزة الأمن. حتى المأزق الحالي الذي تعيشه مصر هو مأزق قادم في جزء منه من الجيش. الخلط بين المدني و العسكري يوصل الى حوائط مسدودة و الى أفق غير مرئي. الحقيقة تقول أن الجيش هو الذي يحكم. معظم القيادات التنفيذية التي تعمل الأن لها مرجعية عسكرية. معظمهم أتون من خلفيات عسكرية و لهم رتب كبيرة فيها. الألوية يغزون الدوائر المدنية . هذا الغزو قاد و يقود و سيقود الى الفساد. السبب بسيط و هو أن الانضباط الذي كانو يعيشونه في خدمتهم العسكرية بحكم طبيعة المؤسسة العسكرية لم يعد موجودا و بالتالي أصبح التراخي و الرغبة في الحصول على الامتيازات هو الطاغي على تصرفاتهم.دعوة الجيش الى الحكم سيقود الى ترهل و تراخي هذه المؤسسة . حتى ان رئيسا عسكريا لمصر سينتهي الى ما انتهى اليه سابقوه من فقدان للسيطرة و الضبط بعد رؤية الغنائم ملقاة أمامه.



مصر عاشت و ما زالت تعيش تحت حكم عسكري . عبد الناصر و السادات و مبارك كلهم كانوا ضباطا و كلهم كانوا يتصفون بالانضباط العسكري أثناء خدمتهم الا أنهم و بمجرد وصولهم الى السلطة و العيش مع امتيازاتها ، نحوا الانضباط جانبا و أصبحوا يتصرفون كمدنيين بل انهم فاقوا المدنيين في تمسكهم بالكرسي و في فسادهم.



مصر تعيش حالة احباط لكن المعروف عن شعبها مسالمته و عدم ميله نحو التغيير العنيف أو ذاك الجذري. ليس واضحا تماما سير الأمور في مصر لكن الجميع ينتظرون لحظة تتويج الملك الجديد و ما سيترتب على هذا التتويج. هنا لا بد من المقارنة بين نهاية العصور أو العهود. الاضطراب فيها يكون سيد الموقف و المميز لها عن بدايتها. الأمل دائما يكون كبيرا في بداية أي عهد الا أنه و كلما طال الجلوس على الكرسي خبا الأمل و أصبح ضئيلا لا تحركه غير انجازات وهمية يضخمها الاعلام و يلعب عليها.



حسني مبارك كغيره من رؤساء مصر السابقين يلعب نفس اللعبة . رغم سنين عمره التي تجاوزت الثمانين الا أن رغبته في الحكم تزداد يوما بعد يوم. ربما هو الخوف على عائلته من تنكيل يصيبهم من بعده. لكن دعونا نقلد يلتسين و بوتين، تلك العلاقة التي أمنت خروجا لائقا ليلتسين من الحكم و أمنت أيضا قوة لروسيا تزهو بها اليوم.هل يرضى مبارك بهذا المخرج؟ لا أعرف لكني أعرف شيئا و هو أن عدم قبوله بمخرج كهذا سيدفع الأمور الى تأزم أكبر.







0 comments:

Post a Comment