Thursday, 2 December 2010

ويكيليكس : وثائق بنكهة استعمارية

ويكيليكس : وثائق بنكهة استعمارية


تسريبات ويكيليكس ربما تكون الحدث الأبرز في العام 2010. لم يعتد العالم من قبل على تسريب مراسلات دبلوماسية أو عسكرية بهذه الضخامة. ما يمكن الخروج بعه من كل هذا الصخب هو أن العالم لم يعد كما كان و ان ما كشف عنه خلال الشهور الماضية ربما لم يأت بجديد. ما تم هو فقط توثيق رسمي لمعلومات كانت متداولة على نطاق واسع في الاعلام. التوثيق هنا قد يعتبره البعض ضروريا لاقامة حجة أو استخدام هذه التسريبات في محاكمات أو دعاوى يستعد كثيرون لرفعها على الادارة الأمريكية.


في النهاية المعلومات ليست بجديدة. اكثرها اثارة بالنسبة لمنطقتنا هو حث الدول العربية لأمريكا على ضرب ايران. العاهل السعودي قال لدبلوماسيين امريكيين بحسب ما نقلوا عنه بأن رأس الأفعى يجب أن يقطع و أخرون حثوا على الاستعجال في معالجة الأمر قبل حصول ايران على السلاح النووي.





بالنسبة لأي متابع فان معلومات كهذه لا تشكل جديدا . الأمور كانت واضحة و لا تحتاج الى تسريبات لتثبيت صدقيتها. المتتبع للعمل السياسي اليومي و التصريحات الدبلوماسية يقرأ من بين سطورها الكثير و يمكن أن يصل الى الكثير أيضا. العالم لم يعد فيه أسرار . هذا ما يجب أن نصل اليه بعد كل ما قرأناه عن هذه الوثائق.


لكن السؤال يبقلى ملحا و هو لماذا تسرب وثائق كهذه و بمواضيع معينة و لا تسرب أخرى قد نحتاجها في هذا الوقت أكثر من حاجتنا لما تم تسريبه؟


لست هنا من أنصار المؤامرة و تقصد التسريب. انه أمر لا يمكن أن أجزم به. ما يعنيني هنا هو القول بأن


أشياء كثيرة تبدو واضحة لنا و تحتاج الى توثيق لا يمكن الوصول اليها الا بتسريبات مثل هذه التسريبات.


هنا يجب أن لا يفوتني شيء مهم في هذه التسريبات و هي طريقة تعامل الدبلوماسيين الأمريكيين مع رؤساء الدول و مسؤوليها. ما قرأناه من استهزاء ببعضهم و ملاحقة أمور شخصية لبعضهم الأخر يذكرنا بمذكرات الرحالة و الدبلوماسيين الغربيين و استهزائهم في مذكراتهم بمن يقابلوهم من مشايخ و وولاة.


انها نفس النفسية الاستعمارية التي كانت تميز أولئك الدبلوماسيين تجدها عند الدبلوماسيين الأمريكيين المعاصرين. ربما قدر الامبراطوريات الكبيرة هو الغرور. الغرور يوصل عادة الى اماكن مدمرة. ما نراه الأن من سياسة امريكية مترنحة هو نتاج غرور نراه جليا و بوضوح في هذه الوثائق .


لا يمكن لغرور أن يتولد دون مسبب. الشعور بالتفوق يقود الى الغرور. علينا أن نعترف بأن هذا الغرب الذي سرب بعض اسرارنا المعلنة هو متفوق و بشكل كبير عنا. تصرفات مسؤولينا تفاقم غروره و توصله الى حالة من الاستهزاء بنا.


في أحد وثائق ويكيليكس يتندر كاتبها بشقراء تلازم القذافي. قال عنها بأنها ممرضته لكنه وصفها بالمثيرة للشهوة. هذه الكلمة بلا شك تجعل من يقرأها و يقرأ حروفها مستعدا لأن يشطح في خياله الى أماكن أخرى.


جاء التعليق سريعا و لكن من ابنة هذه الممرضة التي و بكل تأكيد أحست بتشهير بأمها في هذا الكلام.نفت ما كان يقصده كاتب الوثيقة و قالت بأن أمها تعمل كممرضة فقط للقذافي مع ثلاثة ممرضات أخريات يشرفن على وضعه الصحي.


ما أوردته وثيقة كهذه هو كلام جارح بحق أناس أبرياء . المشكلة دائما في الغرور المستحكم عند الطرف الأخر و نظرته الدونية للأخرين مهما بلغت مكانتهم. هي بلا شك أثار الاستشراق الاستعماري الذي مهد لمصائب كثيرة في الماضي و يمهد لأخرى في المستقبل. ما حدث هو أن هذا المركز قد انتقل غربا الى واشنطن بعد ان كان يقبع في لندن و باريس.


مشكلة هذا الاستشراق الرسمي الأمريكي أنه ركيك في أسلوبه و مضمونه.هي القشور فقط التي يتعامل معها و يحاكمها. المشكلة انه لا يرى بأن العالم أوسع من الولايات المتحدة و اعمق و أكثر غنى في النكهات و الروائح.


جلست مع صديقة أمريكية ذات يوم و كانت مبهورة بما تراه حولها .قالت لي بأنها لم تكن تتخيل أن أشياء كالتي تراها يمكن أن تجدها في هذا العالم. كان العالم بالنسبة لها متوقفا على نيويورك و نظافتها و جمال مبانيها. قالت لي " صحيح أن المباني التي في نيويورك أحدث طرازا مما أراه الا انها تفتقد للروح"


لم افاجأ بكلامها لأنني مدرك بمعضلة أمريكا و هي معضلة البحث عن الأصالة.

1 comments:

Post a Comment