Tuesday, 19 May 2009

موهبة سورية خلف القضبان : عندما يقود اليأس الى حدود الجريمة



مصطفى حميدو - دمشق : ليس أمام صابر العشريني إلا مداعبة ذكرياته و استحضارها أمامه في سجنه . هذا الشاب العشريني سهل الفهم ، لكن الفهم وحده لا يكفي. فهم قصته هي محاولة لتشريح واقع طارد لأي كفاءة أو موهبة يمكن أن تخرج في مجتمع كالمجتمع السوري .
صافحته و جلست بجانبه على سريره الحديدي في زنزانته محاولا الغوص في دواخله المتنازعة. منذ اليوم الأول الذي سمعت عنه ،و رأيته ، شدني إليه هدوءه و رغبته في الحياة، رغبة تستطيع أن تلمحها في تلك الصورة المتقنة الرسم التي يضعها بجانبه لخطيبة من الواضح أنها تكبره بما يقارب العشر سنوات لم يعد يعرف عنها شيئا . عرفها و أحبها بعد وفاة زوجها الفنان التشكيلي المغمور . أنقذها من نصاب حاول استغلال فقدانها لرجل تستند عليه بعد وفاة زوجها. منذ دخوله السجن انقطعت أخبارها عنه و لم يعد أمامه غير الصورة يسر لها و تسر له .
أخرج صابر علبة دخانه الحمراء القصيرة من جيبه ، ناولني واحدة و أشعل واحدة و أخذ يمج منها مجا و ينفخ دخانها و كأنه يفرغ غضبه و حزنه في ذلك.
سألته :
- ألم تعد تعرف عن خطيبتك شيئا ؟ أين ذهبت ؟
قال :
- لا أعرف .. صديقي قال لي بأنها سافرت .. ربما إلى الجزائر حيث كان يعمل زوجها ..قال لي بأنها ذهبت لتتزوج ..هي الآن في الخمسة و الثلاثين و انتظارها لانقضاء حكم الثمان سنوات يعني بأنها ستنتظر سرابا .
امتلأت عيناه بالدموع و هو يخبرني بذلك . قلب الصورة مخفيا إياها عني و عنه . أخذ نفسا عميقا و أخذ يحدق بي منتظرا أن أسأله. قلت له :
- يجب أ ن لا تحزن.. أنت كشاب ما زلت صغرا و هي تكبرك و لا يمكن لعلاقة كهذه و حتى و إن لم تدخل السجن أن تستمر .
قال مستنكرا:
- و لكني أحبها .. هل عندك دواء لهذا ؟!
أفحمني بجوابه. اكتفيت فقط بالصمت . بحركة مباغتة منه , قرر أن يغلق ما كنا نتحدث منه و أن يخرج لي ما كنت قادما لأجله . أخرج من تحت سريره حقيبة أقراص مدمجة أخذ منها واحدا و أعطاني إياه . كان هذا القرص يحوي جزء من إنتاجه المدهش.
لا يمكن تصنيف إنتاج صابر إلا تحت عنوان الفن . انه فن متميز نابع من موهبة فذة من الصعب أن تتكرر. أخبرني بذلك صديق عندما حدثني عنه أول مرة و يحكي لي قصته. خلته يحكي لي عن واحد من كثيرين يتصنعون الفن و يدعونه لكنهم لا يملكون منه أيا من مقوماته .
كان جالسا بجانبي و أنا أقلب في تلك اللوحات الموجودة على القرص المدمج عبر جهاز حاسوبي الشخصي، يشرح لي قصة كل واحدة و فكرتها. كانت اللوحات خليطا بين فن الجرافيك و فن الرسم اليدوي المتقن المعالج بتقنية الحاسوب.
- مدهش ..
قلتها بصوت خافت أظنه سمعها مما شجعه على الإفصاح عن المزيد.
فكرة خرافية
. أخرج قرصا أخر من الحقيبة و أعطاني إياه قائلا :
- هذا مشروع عمري الذي لم يكتمل !
أخذت القرص و أدخلته إلى الكمبيوتر لأرى ما لم أتوقع أن أراه .
كان ما أعطاني إياه هو الأكثر خرافية من بين ما أعطاني إياه من بين إنتاجه. كان خليطا من كل أنواع الفنون ، من الرسم إلى الكتابة و التحريك و إلى فيلم رسوم متحركة متقن التنفيذ فردي الانجاز ... انه إنتاجه الذي أراد من خلاله المشاركة في مهرجان للرسوم المتحركة لكنه عجز عن تأمين تكاليف و رسوم المشاركة فقبع ما حققه حبيس الأدراج مخفيا إنتاجا خرافيا لا يمكن إلا أن ينال جائزة في أي مهرجان أو مسابقة يشارك فيها .
بالرغم من أن صابر لم يدرس إلا للصف السادس الابتدائي في وسط ظروف عائلية صعبة ، إلا أن خرافية إنتاجه هذا نابعة من كون تحصيله العلمي محدود .فكرة الفيلم و قصته البسيطة المعبرة تعكس فهما عميقا منه للواقع قد لا نجده حتى عند حملة شهادات عليا .
القصة ببساطة هي قصة عود ثقاب ينير فكرة حتى تنمو شخصياتها و لتدوس هذه الشخصيات بعد ذلك عود الثقاب و تطفئه. إنها قصة مليئة بالرمزية التي يعجز الكثيرين عن ملامستها.
انتهى صابر كعود الثقاب بطل عمله الكرتوني. الكل داس عليه و أصبح خلف القضبان ينتظر.

و ما زال ينتظر
نظرت إليه بحزن و أنا أرى ما أراه . حرام أن يؤول مصير شاب كهذا إلى السجن . انسدادا الأفق و عدم وجود من يأخذ بيد صاحب الموهبة تؤديان إلى هذا المصير حتما.
فموهبته شاع صيتها في مجتمعه الصغير . وصلت إلى عصابة لتزوير العملة فاستغلتها أيما استغلال .
يقول صابر :
- كان الأمر ما بين الجد و الهزل . كنت أظن الأمر تسلية و هزل. رسمت ورقة الألف ليرة بإتقان و أعطيتهم إياها فوصلت إلى هنا.
يعيش صابر الآن بلا أمل لا يعرف حتى ما سيفعله بعد انقضاء مدة حكمه . كل ما يشغل باله هي خطيبته التي ذهبت و لم يعد يسمع عنها شيئا.

· الأسماء الواردة في النص السابق هي أسماء غير حقيقية اقتضى طلب صاحب العلاقة وضعا بديلا عن أسمائهم
.

3 comments:

Post a Comment