Wednesday, 15 April 2009

مصر بين جنبلاط و مبارك





في بداية القرن الخامس عشر الميلادي و بينما كانت الأندلس تسقط نهائيا عبر تنصير أهلها و تخييرهم بين ذلك و بين الرحيل إلى الضفة الأخرى من المضيق بعد إخلال فرنا ندو بعهده تجاه الموريسكيين بألا يجبرهم على تغيير دينهم و يقوم بالحفاظ على مالهم. اتجهت أنظار هؤلاء اليائسين البائسين إلى العالم الإسلامي عله ينجدهم مما هم فيه من بلاء و ابتلاء أبدي . كانت الوجهة في تلك الأوقات مصر التي كانت رسميا المسؤولة عن الحرمين الشريفين في الحجاز ووارثة تاريخ و مكانة المماليك العريقة في الدفاع عن الأمة تلك المكانة و التاريخ اللذين اكتسبا عبر قتال المغول و دحرهم و تصفية مراكز الصليبيين على ساحل الشام.

انتدب وفد منهم و أرسل إلى القاهرة ليقابل حاكمها علهم ينجحون في التخفيف من ذلك الاضطهاد الخانق الذي كانوا يعيشونه. كان حاكم مصر في ذلك الوقت يدعى جنبلاط أورد اسمه مع هذه القصة الدكتور محمد عنان في موسوعته القيمة ذات الثمانية أجزاء "تاريخ دولة الإسلام في الأندلس" في سياق حديثه عن الموريسكيين. عاد الوفد بمثل ما ذهب خائبا يائسا موقنا بان الاستسلام هو القدر الذي لا مفر منه.

كانت مصر في تلك الأوقات في محنة عظيمة أورد بعضا منها ابن اياس في تاريخه" بدائع الزهور في وقائع الدهور". فبعد أن كانت مصر مركز تجارة الترانزيت الدولية بين الشرق و الغرب و المسيطرة على طرق القوافل بين شرق العالم و غربه المتلهف لكل ما هو شرقي من توابل و مصنوعات ، تحولت بعد اكتشاف طريق الرجاء الصالح و الوصول إلى العالم الجديد الى مكان لا لزوم له في التجارة الدولية فقلت الموارد و شحت و أضحى الصراع بين أمراء المماليك ليس على الحكم و المناصب فقط بل على نصيب كل واحد منهم من اللحمة و مخصصاته منها!!!

كانت الشكوى إلى الحاكم المملوكي من أمراء المماليك حول هذا الموضوع بالذات و هذا ما قاله ابن اياس نصا في كتابه عند حديثه عن أحوال مصر المتدهورة و البائسة في ذلك الزمن

نظرة القرون الوسطى إلى علاقات الدول كانت أساسا تقوم على الدين و هي النظرة القائمة حتى الآن و حتى إن حاول الغرب إخفاءها أو المواربة عنها إلا أن المتحكم في علاقات الدول حتى هذه اللحظة هو الدين. كان طبيعيا ما قام به جنبلاط. فوسط عجز مطبق لمصر و فقر أصابها لا مثيل له و لا يمكن أن يقارن إلا بظلمة و فقر هذا العصر الذي تعيش فيه و الذي أدى في النهاية إلى سقوطها أمام الأتراك العثمانيين لم يكن أمام دولة المماليك إلا تحبير الرسائل و إرسالها إلى المعنيين في الفاتيكان و في اسبانيا مهددة بأدب جم و متوعدة مع طلب للصفح عن هذا الوعيد باضطهاد مماثل للمسيحيين الذين يعيشون داخل الدولة المملوكية في تطابق مذهل مع نراه اليوم من سياسة خارجية مصرية فاشلة و منحطة و قذرة.

كان هذا جل ما فعلته القاهرة تاركة أهل اسبانيا المسلمين إلى مصيرهم المحتوم .سقطت مصر بعد سنوات قليلة من ذلك التاريخ ليس فقط عبر قوة الأتراك العثمانيين الساحقة بل أيضا عبر دهاء سليم الأول و إجادته للعبة شراء النفوس و الإغراء بالمال و المناصب الأمر الذي جعل المماليك أنفسهم يتآمرون على بعضهم مع العثمانيين ضمانة لغنيمة أو منصب سيحظون به بالفعل بعد سقوط مصر.فبعد سقوط مصر في يد أل عثمان و تحولها إلى ولاية هامشية نائية و بعيدة عن مركز القرار عين هؤلاء على رأسها لحكمها و هم أنفسهم الذين وقفوا مع نابليون رافضين مقاومة غزوه لمصر بعدما يقرب من الثلاثة قرون.

0 comments:

Post a Comment