Friday, 16 May 2008

دفاعاً عن حق "الموتورين" في التعبير

أسامة يونس

أن يكون الصحفيون "مضطرين" للتنديد بما جرى لإعلام الحريري، شيء، وأن يصبح هذا الإعلام شهيد حرية الرأي، شيء آخر.

التضامن مع "الزملاء" الحريريين بدأ يأخذ طابعاً هو إلى التهريج والكذب الصريح أقرب، خاصة أن كثيراً من المتضامنين لم يرفع صوته حين مـُنعت محطة المنار هناك في أرض النور والديمقراطية، ومربط فرس آل الحريري: فرنسا، كما لم تتبن محطة العربية مثلاً قضية المنار حين قصفت بالصواريخ أثناء حرب تموز.

قبل الاسترسال، أورد ما نشره موقع صحيفة المستقبل يوم الجمعة الماضي، اليوم الذي حبست فيه أنفاس الجميع، إما خوفاً على المقاومة، ومن الفتنة، أو خوفاً من المقاومة، وعلى الفتنة:

يرد في النشرة الإلكترونية للصحيفة شهيدة الحرية: "استمر حصار بيروت وبقي مطار رفيق الحريري الدولي رهينة بأيدي مسلحي الحزب الذين أمعنوا في استباحة العاصمة مستندين الى إعلان الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله أن "الحرب بدأت.. وقد أعذر من أنذر"، الذي كان كافياً لإطلاق موجات مسعورة من العنف المسلح الذي اتخذ طابع التطهير المذهبي في شوارع العاصمة وأحيائها، تاركاً الوضع مفتوحاً على كل الاحتمالات"

هذه العبارة: " العنف المسلح الذي اتخذ طابع التطهير المذهبي" هل هي مجرد شطحة من شطحات الحريرية، أم أنها تحمل مدلولات أكبر، وتتوجه إلى "السنة" لتحرضهم على الحزب "الشيعي"؟

في كل الأحوال هي ليست مجرد سقطة إعلامية ووطنية في تاريخ ذلك الإعلام الغني بمثلها، فالأخلاق الوطنية قبل المهنية تقتضي التدقيق جيداً وعدم استخدام عبارة موتورة كهذه في بلد يعيش على برميل بارود الطائفية، ولحظة سبقتها تحذيرات مفتي الحريري من التعرض للسنة.

بكل وضوح: أنا صحفي يعلن أنه ليس آسفاً أبداً على توقف ذلك الصوت الموتور، وأعتقد أن الصدق يقتضي منا ألا نبالغ ونكذب على الناس، فإن كان منطق "القبيلة" الإعلامية يجبرنا للتنديد بأي تعرض لأي إعلام، فإن الصدق يقتضي منا أن نقول رأينا على الأقل في هذا النوع من الإعلام، باختصار:

لو أردنا أن نكون ـ كصحفيين ـ صادقين فعلاً في مقاربتنا لقضية إخراس إعلام الحريري، فينبغي أن نوضح اننا مع حرية حتى دعاة الفتنة في التعبير عن رأيهم، وأقترح وضع مشروع البيان التالي الذي أتطوع بصياغته:

"لقد فقدت الساحة الإعلامية اللبنانية منبراً متحرراً من معظم قيود الأخلاق المهنية، شجاعاً في التصدي لكل محاولات تطويق الحرب المذهبية، مساهماً في نشر الأكاذيب على أنواعها.....

ورغم كل ذلك، وانطلاقاً من القاعدة التي تقول إنه لا يجب توقيف أي وسيلة إعلام... نندد بمنع الموتورين من حقهم في التعبير، ونطالب بإعادة الكاذبين إلى منابرهم"

العربية.... تلك الباء المتزحلقة

كذلك، من حق "العربية" أن تصول وتجول... وهي صوت "متحرر" أيضاً...

وقد ظهرت "العربية" في أبهى صور تحررها، حين لم تجد في الذكرى الأولى لحرب تموز سوى أن تتحف مشاهديها بصور أسرى حزب الله في إسرائيل، بل في الكيان الغاصب، (بالمناسبة: المحطة لم تقل أنها هي التي أجرت الحوارات).

اللافت في تغطية "العربية" لأحداث يوم الجمعة، أنها لم تذكر الأمين العام لحزب الله، إلا بلقبه الكامل "السيد حسن نصر الله" وكانت قبل ذلك "ترفع الكلفة" معه، وأنا شخصياً لا أستطيع أن أفهم هذا التحول "التكتيكي" إلا في سياق تحولات خطاب جنبلاط وجعجع والحريري، مع عدم حفظ الألقاب... الذين بدوا لأول مرة "حببوبين" وظريفين، بل إن جنبلاط (الذي اخترع خلطة "حرق الأبيض باليابس") بدا قديساً وهو يعلن أنه لن يرد على "السيد" الذي وصفه لأول مرة: باللص، والقاتل، والكذاب... لقد تراجع الجميع "تكتيكياً" أمام لغة القوة التي يفهمونها جيداً، والتي تحكم علاقتهم بالحليف: واشنطن.

لكن العربية بقيت وفية للحريري ـ كما تحافظ جيزيل خوري على وفائها لجعجع، (ومن شدة وفائها تستطيع التستر حتى على معلومات تتعلق باغتيال زوجها، وهي المعلومات التي عادت إلى الواجهة من خلال لجنة التحقيق الدولية، وللمصادفة المعلومات تتحدث عن دور لجنبلاط بالاغتيال، وهو أيضاً الوفي الذي تستر على معلومات حول اغتيال والده)

لم تنتظر "العربية" لحظة واحدة بعد بيان قبيلة 14 آذار، لتضع على شاشتها عنواناً ثابتاً لكل أخبارها: "انقلاب حزب الله" وفجأة اكتشفت "العربية" في السعودية أكثر من محلل سياسي يستطيع التحدث عن احتلال حزب الله لبيروت، وعن الديمقراطية...

في كل أسئلتها كانت توجه الضيوف، (الذين لا يحتاجون توجيهاً في البلد الذي أصدر فتوى تحرم حتى الدعاء لحزب الله في حرب تموز) كانت توجههم نحو الفتنة المذهبية.

مراسلتها المسكينة نسرين، كانت ترتدي الأسود، وتتحدث بكل تأثر عن استسلام عناصر "المستقبل".

بينما أرهقت "ريما مكتبي" نفسها كثيراً، كما أرهقت معها طاقم "الغرافيك" وهي تعد صورة غرافيك للبنان وبيروت وعليها التوزيعات الطائفية، وتقف أمام الشاشة، لتشرح لنا: هنا ينتشر الشيعة، وهناك أقلية سنية، وهنا مسيحيون وهناك مسيحيون لكن التواصل بينهم مقطوع بالشيعة.....

***

في كل بلدان الدنيا يحاسب الصحفيون، وليس أبداً أنهم أحرار بهذه الطريقة التي يريد إعلام النفط (والحريرية منه) أن يروج له: كل الناس أمام العدسات دون حرمات، إلا أولياء الأمر المشرفين على حقول النفط، ومن والاهم.

ـ في ولايات بوش المتحدة سجنت، نعم سجنت، الصحفية جوديث ميلر (من النيويورك تايمز) لأنها رفضت الكشف عن مصادرها.

ـ في بريطانيا استطاع النائب النبيل جورج غالاوي أن يكسب دعوى رفعها أمام القضاء على "الديلي تلغراف" بينما في بلد "ديمقراطية الشاي" لبنان تداعى مثقفون للدفاع عن بوول شاؤول ـ الشاعر الذي أصبح كاتباً لدى الحريري ـ الذي نال من النائب ميشال عون بألفاظ يحاسب عليها أي قانون متحضر، تداعوا للدفاع عن حق شاوول في "سب" عون.

ملاحظة:

يحزنني في إغلاق إعلام الحريري بعض الكتبة السوريين الذين أيضاً كان الشيخ سعد يسمح لهم بالكتابة بكل حرية... على أن يبقى كلامهم محصوراً في الحديث عن "نظام الوصاية" و"مملكة القمع" بينما مجرد الإشارة إلى تمويل "فتح الإسلام" يقع في خانة العداء للديمقراطية، (بالمناسبة: بالطريقة ذاتها يتشاطر حازم صاغية على حزب الله في صحيفة: "إن الحياة نفط وجهاد" وصاغية هو ـ مثل الحربوق عقاب صقر ـ من الذين يطالبون حزب الله بالعض على الجراح بينما هم يعضون على دولارات آل سعود)

كان الرجل ـ الحريري ـ حنوناً على السوريين المساكين الكتبة الذين لم يخطر في بالهم أن يقرؤوا الصحيفة جيداً ليروا أية صورة يرسمها الحريري لسوريا والسوريين.

رغم كل ذلك:

أعلن تضامني مع إعلام الحريري... وأتمنى العودة السريعة لهذا الإعلام... فالديمقراطية، ومنطق القبيلة يضطرنا أن نتضامن حتى مع إعلام الفتنة، خاصة في ذلك البلد الطريف الطريف... الذي يتآمر فيه الزعماء... علناً وعلى الشاشات "الحرة".... ثم ينتقدون الآخرين لأنهم يخونونهم!

أليس الشاي دولة... لها فلسفتها ونشيدها وأعلامها و..... إعلامها!


3 comments:

Post a Comment