Wednesday, 28 May 2008

ما هي الخيانة ؟... أصول نظرية للخيانة السياسية

مصطفى حميدو


ما هي الخيانة؟ هل لها بالفعل تعريف واحد متفق عليه بين الناس؟ يبدو هذا السؤال غريبا . فالناس البسطاء الذين توجههم فطرتهم يعرفون للخيانة تعريفا معينا واحدا لا يحيدون عنه قيد أنملة. فالأبيض عندهم لا يمكن أن يسمونه بعكس ما يرونه و الأسود أيضا لا يمكن أن يتجمل و يصبح سيد الألوان مهما حكي عن جماله و حلاوته و قدرته على الافتان.

مناسبة الكلام هو ذاك التسطيح الأخذ في الانتشار بين من يدعون القدرة على التحليل و التنظير و الذين غزوا وسائل الإعلام حتى أن من كثرة هذه الوسائل و كثرة طلبها عليهم أضحوا يتوالدون و يتناسخون ، يتكلمون بنفس الطريقة و يستخدمون نفس المصطلحات.

طوال ما يزيد عن الخمس سنوات ظهرت الخيانة في وسائل الإعلام و كأنها مصطلح خلافي. أضحت الخيانة وجهة نظر و مصطلح يمكن نقاشه تبعا للظروف التي تحصل فيها. رغم كل ذلك فان الخيانة ظلت في أذهان البسطاء منا و كأنها ترفض أن يتغير اسمها أو تتغير صفتها. انها شيء مغروس في الفطرة لا يمكن أبدا تغييره أو حتى تبديله.

الخيانة كمصطلح بدائي مرتبط بتعاون فرد من الجماعة مع عدو هذه الجماعة ضد الجماعة و مصالحها. هذا التعريف البدائي يمكن أن يقول أحدهم أنه يتعارض مع تعقيدات الحياة الأخذة في الازدياد يوما بعد الأخر.

قد يكون هذا صحيحا ، لكن الصحيح أيضا هو أن المصطلح عند تطبيقه على أرض الواقع تؤخذ خطوطه العامة دون تلك التفاصيل التي يمكن أن تتغير حسب الزمان و المكان و دون أن يعني ذلك تغير الفكرة و تبدلها.

للخيانة عناصر و العناصر هنا لا تتغير. فالعدو هو ثابت و مصالح الجماعة هي ثابتة و الفرد الخائن او مجموعة الأفراد الخائنة لا تتغير.

أضحى من السهل بعد تحديد العناصر الرئيسي تطبيق المصطلح على أرض الواقع. صحيح أن الخيانة و الاتهام بها هي في عرف المجتمعات غير الملوثة بمطامع الدنيا هي كالطعن في الشرف الا أن رخص الشرف في هذا الزمان جعل من الخيانة أيضا شيئا رخيصا سهلا بل و منتشرا أيضا.

عندما تغيب الضمائر و يصبح بيعها و شراؤها بسهولة بيع و شراء السلع تصبح الخيانة أمرا مألوفا بين الناس.

لنعود إلى فكرتنا الرئيسية و هي تلك المتعلقة بمصالح الجماعة وعمل الخائن مع عدو الجماعة ضدها. هنا المشكلة تظهر . فالخلاف أساسا أو هذا ما يدعيه الخونة هو على رؤية مصلحة الجماعة و تحديدها.

يدعي هؤلاء بأن الخلاف ليس على خير الجماعة بل هو أساسا على رؤية هذا الخير و اتجاهه.فالخائن مثلا يدعي بأن ما تسلكه الجماعة هو طريق فنائها و أن ما يدعو إليه فهو طريق خلاصها.

من هنا تبدأ المعضلة. كل له تعريفه للمصلحة لكن الفرق بين تعريف الجماعة لمصلحتها و تعريف الخائن لمصلحة الجماعة هي في الأدوات التي تستخدم لتحقيق المصلحة.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون العدو حريصا على مصلحة أي جماعة و لا يمكن أيضا لمن يدعم عدو الجماعة أن يكون حريصا أيضا على مصلحة الجماعة. فدعم الأعداء هو في الحقيقة اعتداء مباشر يحتم الحذر إن لم نقل التوجس من هذا المدعي الحرص على مصلحة الجماعة.

أعرف بأن الموضوع شائك و أن الأسئلة الكثيرة التي يمكن أن تطرح في هذا السياق يمكن أن تنسف أساس التعريف الفطري البسيط كون الحياة معقدة و التعقيد ضد التسطيح و ضد التبسيط.

كل ذلك مأخوذ في الحسبان .و كل ذلك أيضا له جوابه الذي يناسبه. قد يقول قائل بان الجماعة يمكن أن تحيد عن المصلحة بفعل إعلام أو مال يغدق و يدفع و أن الأقلية يمكن أيضا أن تكون هي التي على صواب و هذا أيضا صحيح لكن كل ذلك يمكن أن ينسف فقط بدراسة علاقات الأقلية و الأكثرية و مدى ملاءمتها و تماشيها مع مصالح الجماعة. الجماعة يمكن أن تخطيء في توجهها في خالة واحدة فقط و هو وقوعها تحت سيطرة المال و نفوذ الإعلام . من دون ذلك يبقى التعريف ثابتا و يبقى التعريف واحدا عناصره هي في المصلحة و الجماعة و عدو الجماعة.

0 comments:

Post a Comment