Monday, 30 July 2007

السعودية: جيل الامراء الثاني والبحث عن البروز الاعلامي

مضاوي الرشيد

من طبيعة الملكية الوراثية المطلقة ان تقصي ليس الشعب فقط من مراكز صناعة القرار السياسي بل ايضا ابناءها انفسهم حيث تحتكر مجموعة مركزية المناصب الهامة في الدولة تماما كما يحدث في سعودية. وتستثني في نفس الوقت شريحة كبيرة من الامراء الجانبيين من حلقة السياسة ومفاصلها المتشعبة والهامة كالشأن الداخلي والامني والدفاعي والاقتصادي اذ تبقي هذه الحلقة مقفلة خاصة في وجه الشريحة الكبيرة المنتمية الي المجموعة. وقد استطاع النظام السعودي ان يضمن ادخال بعض الامراء من الجيل الثاني الي الحلقة الضيقة وخاصة في وزارة الدفاع والداخلية والامن اذ امن وراثة المناصب هذه من قبل اعضاء من الجيل الثاني وبذلك يصبح هؤلاء مندمجين في آلية الدولة المركزية بشكل تلقائي يضمن استمرارية بعض الفروع المركزية في هيمنتها علي مفاصل الدولة الرئيسية. ولكن تبقي معضلة استيعاب ما تبقي من الكتلة الوراثية في مناصب هامة اخري حتي تضمن الكتلة الحاكمة استتباب الوئام وتحد من المنافسة علي صعيد الجيل الثاني من الامراء. واكثر ما يخشاه النظام المغلق هو صعود نجم جديد من داخل الكتلة. ويحدث مثل هذا الصعود نوعا من الانشطارات والتشظيات الخطيرة وحينها لا يمكن حسم المعركة لصالح طرف واحد الا علي حساب تماسك المجموعة الكلية ولو بشكل صوري وسطحي علي الاقل.
ومن اجل احتواء مثل هذه السيناريوهات والتي لها سوابق تاريخية معروفة استطاع النظام السعودي ان يوزع الادوار بين فريقين: فريق يمتلك القوة الحقيقية وآخر يمتلك القوة الناعمة. الفريق الاول يجمع بين يديه السلطة السياسية المدعومة بالقوة العسكرية والاستخباراتية والمالية من خلال احتكار السلاح والمعلومة والثروة النفطية. اما الفريق الآخر صاحب القوة الناعمة فيحتكر المجالات الاعلامية والثقافية والاعمال الخيرية ومجالات الثقافة والتراث والسياحة حيث يجد الكثير من الامراء الذين لا يحظون بالقوة الاولي مجالا واسعا وفسيحا للعب الدور الهامشي ولكنه يضمن لهم البروز الاعلامي المرجو. وبهذا تكتمل الشراكة المطلوبة والتي يطمح الحكم ان تؤمن حالة امنية بشقيها الفعلي المعتمد علي القوة الضاربة والقوة الفكرية التي تسير المجتمع وتوجهه حسب اهواء الدولة وبمعايير تضمن استتباب الامر والهيمنة المطلوبة لاستمرارية الكتلة الوراثية ككل. امام تقاسم الادوار هذا يجد المجتمع السعودي نفسه وجها لوجه امام حلقات احتكار تطال جميع مرافق الدولة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاعلامية والفكرية ومن اجل خرق حالة الاحتكار هذه يتوجب علي المجتمع ان يحاول الصاق نفسه بطريقة ما الي حلقة الاحتكار في كافة انواعها ومتشعباتها.
وبفضل تدفق عائدات النفط وتشعب حلقات الاحتكار يصبح من الصعب انضمام المجموعات الشعبية واختراق الحدود والدخول الي صلب المرافق العامة. وقد يعاني بعض الامراء من الجيل الثاني الصعوبة ذاتها خاصة وان اعدادهم تتزايد يوما بعد يوم. لذلك نجد بروز ظاهرة جديدة تتبلور في السعودية وهي اشتداد المنافسة بين ابناء الجيل الثاني والبحث المستمر عن الظهور الاعلامي ليس لشيء الا لاثبات الوجود علي الساحة واسماع الصوت من باب انا هنا وبتشعب وسائل الاعلام والقنوات المتلفزة يجد هؤلاء فرصة جديدة لاشباع غريزة حب الظهور والتي تؤمن الفرصة لاجتذاب المريدين من ابناء الشعب وارسال رسالة الي اقاربهم اصحاب القوة الفعلية وتكون هذه الرسالة مبطنة ومغلفة لكنها واضحة وضوح الشمس ولا تقبل اي تأويل او تفسير سوي كونها رسالة صريحة طلبا لاثبات الوجود. ومن خلال رصدنا لمثل حالات البروز هذه نستطيع ان نتحدث عن بعضها فمنها مثلا مداخلات هاتفية لاحد الامراء غير المعروفين علي الصعيد الداخلي وليست لهم مناصب معروفة يناقشون فيها الشأن العام بشكل واضح وعنيف حيث يبدون رأيا منحازا لفريق في حوار ما وهو مما لم يعتد عليه المشاهد السعودي والذي عوده النظام علي الكلام المموه والذي لا يتخذ موقفا واضحا وصريحا من قضايا النقاش التي تدار في برامج تلفزيونية معروفة. وبمجرد اتخاذ موقف مساند لقضية مطروحة يستطيع الامير المشارك في الحوار ان يحسم قضايا النقاش المطروحة لصالح فريق علي حساب فريق آخر وبذلك يبدو منحازا عكس ما يفعله الجيل الاول من الامراء والذين دوما يعتبرون انفسهم فوق الصراع الاجتماعي الفكري والحوارات الثقافية. مثل هذا البروز الاعلامي قد ترصده الجهات القوية وقد يكون مدفوعا بعض الاحيان من قبل فئة سرية تريد ان تصفي بعض الحسابات مع فريق آخر. وتستغل الاطراف الكبيرة مثل هذه الحالات دون ان تطفو صراعاتها الداخلية علي السطح وبذلك تنذر بتفاقم المنافسة وخروجها من السرية الي العلن.
وقد يسجل بعض ابناء الجيل الثاني موقفا وحضورا اعلاميا من خلال تبنيه لمشاكل اجتماعية متفاقمة كأن يخرج احدهم علبة روبن هود الذي يأخذ من القوي ليعطي الضعيف فينشر مقالات مساندة للفقراء متحسسة لمعاناتهم تداعب قلوبهم ويلعب علي حبال الوطنية التي يقحمها في عشش الفقراء ومدنهم ومساكنهم التي تعانق القصور الفاخرة علي بعد. او ان يحمل احدهم راية الاسلام وعلمها ليرفرف علي منابر معروفة تداعب مشاعر مجتمع محافظ فيكسب بذلك شهرة آنية وشعبية وقتية. ويرفع آخر علم الثقافة والفكر فيجمع حوله طيفا من مثقفي الداخل واقلام الخارج العربي ويتبني الكتاب والابحاث ليصبح ركنا مركزيا في تحريك الحبر النائم ويضرب بذلك عصفورين بحجر اولا مكانة بين المثقفين الموالين له ولفكره وثانيا مكانة خارج حدود القطر الضيقة والتي قد لا تستوعب الملايين التي تصرف علي مراكز الابحاث والنشر وتستهلك الثروة القومية دون ان تنتج فكرا يشكك في الهيمنة ومصدر التمويل. ويتحول امير آخر الي قصاص او شاعر ويتخذ من الأدب او الفنون والتراث ملاذا يستتر خلفه فيستنجد بالقصة والقوافي حتي يحظي بالبروز الاعلامي المرجو هو ايضا. وبتطور الحياة ودخول السعودية عصر العولمة من بابه العريض تتحول هموم السياحة والبيئة الي مجالات مفتوحة يتنافس الامراء علي تبنيها وخاصة الصغار منهم. فهناك امير للسياحة وآخر اخضر يحارب التلوث بسيف الامارة وأعلامها فيصبح رمزا للتنمية البيئية التي لا تشوه الارض ولا تلوث الهواء. وقد يخوض احدهم معركة بالنيابة عن النساء ويتبني قضاياهن حتي يتحول الي حركة نسوية قائمة بحد ذاتها فيتسلق علي ظهورهن وظهور قضيتهن مصعدا يكسبه شعبية ولو كانت ضيقة في الداخل الا انها كبيرة في الخارج، حيث تظل قضية نساء السعودية شغل الكثير من الاعلاميين في العالم العربي والغربي لما فيها من اثارة وتسلية ولغط يستعرض علي صفحات الجرائد وشاشات التلفاز. وبينما في الواقع لا يحلم مثل هذا الامير بكسر السوار عن حقوق المرأة المكبلة نراه يتكرم عليها بعبارات مبهمة لا يصل صداها الي المفاصل الحقيقية التي تحرمها حقوقها الشرعية وتقمعها باسم الدين. وتبقي المرأة شغله الشاغل بشكل سطحي لا يتجاوز حدود الاعلام ويقف عند عتبات السجون حيث يحتجز الكثير من ازواجهن واخوانهن ويصطدم الخطاب الاعلامي بمعاناة الارامل والمطلقات والعاطلات عن العمل. ومؤخرا ظهر طيف آخر من الامراء المطوعين الذين يحملون لواء الخطاب الديني بشكل يختلف كثيرا عما عهده المجتمع من امراء القوة الفعلية اصحاب الخطاب التقليدي المبتذل المعروف وظاهرة الامير المطوع ليست الا استمرارية لبعض الرموز الاميرية التي خاضت هذه المسيرة سابقا ودفعت ثمنا باهظا ادي الي تصفيتها علي يد اصحاب القوة الحقيقية اذ وجد هؤلاء في خطاب الامير المطوع تحديا لسلطتهم ودينهم المتمأسس في مؤسسات معروفة تحت سيطرة المركز الاميري الكبير.
ولا نستبعد تكاثر شريحة الامراء المطوعين الجديدة خاصة وان السعودية تمر في مخاض عسير حيث يتصارع الكثير علي مسيرة الاسلام وفي مقابل الامير المطوع الصغير نجد ان بعض الامراء الاثرياء يتبنون اسلاما يدعون انه وسطي خصصوا له قنوات اعلامية ينافسون فيها معلقات لوثر الشهيرة والتي حولت المسيحية الكنسية الي مرحلة اختلفت فيها عن سابقتها الكاثوليكية.
امام هذا التنوع في سبيل البروز الاعلامي يجد المجتمع نفسه امام موزاييك اميري له خصوصيته وان كانت للسعودية خصوصية ما فهي وليدة هذا التشعب في ادوار الامراء الصغار والذين دوما يبحثون عن مكانة ما في عصر تشعبت فيه مرافق الحياة وكثرت المنافسة بين الفروع الحاكمة القوية والاخري والتي هي في طور التبلور. فهنا نحن في بلاد لكل قضية امير.
صحيفة القدس العربي 30 /07 /2007


0 comments:

Post a Comment