Saturday, 26 May 2007

برهان العسل وجثة مخبوءة في مكان ما

سعاد جروس: الكفاح العربي : «امتلكتُ باكراً موهبة الازدواج ومارستها متراساً لحريتي في مواجهة نفاق العالم» على هذا الأساس المستهجن تبني الكاتبة السورية سلوى النعيمي روايتها «برهان العسل» الصادرة اخيرا عن دار رياض نجيب الريس, لتصدم قارئها في كل صفحة, بجرأة استعارتها من كتب التراث, لتعطي شرعية لإقدامها على تجاوز ما كتبته الأديبات المعاصرات في موضوع الجنس, فقد «كانت الحرية التي يكتب بها القدماء تمد لي لسانها بين صفوف الكلمات التي لا أجرؤ على استعمالها, لا شفوياً ولا تحريرياً». أعادت سلوى استخدام اللغة القديمة ذاتها التي تنضح بما صرنا نتعارف عليه بالألفاظ «النابية» تلك التي من غير المقبول استخدامها سوى من قبل زعران الشوارع من الذكور, الخادشة لعفة العامة والخاصة معاً.
تلك الكلمات نفسها, طعمت النص وجاءت في الرواية ضمن استشهادات وضعت في سياق السرد على لسان بطلتها التي قررت أن تكون هذه وسيلتها لكشف حجم الزيف والادعاء الممارس يومياً في مجتمعات «التقية المعممة», فتكلمت بشكل مكشوف, أو كما قد يقال بلا حياء فلا حياء بالأدب: «عرفت باكراً ما أريد وقررت أن العب لعبتي الخاصة. أدرجت هذا جزءاً من حياتي السرية التي لا يعرفها أحد غيري. لست ملزمة بتقديم تقارير عنها لأي إنسان. حياتي لي وحدي وأسراري لي وحدي». لكن الرواية لا تُبقي ستراً مغطى على سر من الأسرار الجنسية للبطلة إلا وتكشفه بشكل سافر, في احتجاج على إصرار مجتمعاتنا الشرقية على ادعاء الطهارة, متسائلة إن كانت «الفضيحة في الفعل أم في إعلان هذا الفعل».
بهذا السؤال تضعنا سلوى أمام مأزق يدور حول ماهية جملة من القيم الأخلاقية التي نفخر بأصالتها ونستميت في الدفاع عنها, وإذا نبشنا فيها قليلاً سنكتشف أنها مبنية على الكذب, ففي ثقافتنا العامة معلقات في مديح الكذب والحيل والأحابيل والخديعة, وهي نوع من الطرائف المستملحة لأن الكذب ملح الرجال, وثلثي المراجل, وبالتالي يصبح النفاق أحد أهم وسائل الاستمرار الآمن للعبور والترقي في مجتمعات كالتي نعيش فيها. ويحضرني من الذاكرة حوار مع زميلة عمل كانت معروفة بكذبها المستملح, وكانت تعلم أن أحداً من الزملاء لا يصدق كلمة مما تدعيه, ومع ذلك كان الجميع يستقبل أكاذيبها برحابة صدر لا لشيء, وإنما لخفة دمها وظلها. مرة سألها زميل لنا, ترى كم كذبة تحتاجين في اليوم كي يمر يومك بسلام من دون مشاكل؟ بعد صفنة وجيزة قالت: عدَّ على أصابع يديك, أول كذبة عندما استيقظ, وأقول إنني مستعجلة جداً كي اسبق الجميع إلى الحمام, ثم أقول إنني ذاهبة إلى العمل مبكراً لأن لدي مهمة خارجية, فيما أكون على موعد مع صديقي, الذي أتأخر بالوصول إليه, فأدعي أن مديري في العمل رفض منحي إجازة ساعية صباحية, وعندما أصل إلى العمل أبرر تأخري لمديري بأن أمي مريضة, وكي تسامحني زميلتي التي حلت مكاني اخبرها أني تشاجرت مع صديقي وعلاقتنا باتت مهددة وتمر في أحلك مراحلها, وعليها أن تعذرني و تتحمل معي وتشتغل عني... إلخ, ولم تنته سلسلة الأكاذيب الصغيرة المطلوبة لتمرير بداية يوم واحد في حياة الزميلة التي ختمت حديثها بأنها تحتاج كمعدل وسطي ما لا يقل عن أربعين إلى ستين كذبة مبرمجة لابد منها... ناهيك عن أكاذيب طارئة بعضها قد يكون بحجم الفيل أو التمساح, تتراوح بين سيارات الإسعاف والمستشفيات والأمراض المستعصية وغرف العناية المشددة, وقد تميت أقارب ماتوا منذ زمن بعيد, ولا توفر أحياناً من كان على قيد الحياة.
المفارقة أن هذا النوع من الكذب الاعتيادي لا يسيء لسمعة صاحبه, فهو ليس كذباً كون أعرافنا الاجتماعية تقسمه إلى أحجام وألوان, كبير ووسط وصغير, ابيض ورمادي وأسود... وكل نوع له استخدام مع ملحقاته من التبريرات, أهمها وأقواها دفع الشر الأكبر بالشر الأصغر, أي درء الفضيحة وهي أكبر الشرور, الفضيحة التي هي إعلان الفعل وليس الفعل بحد ذاته, فالكذب والسرقة والزنى واشتهاء امرأة جارك أو حمارة غيرك... إلخ مما يخالف الوصايا العشر, ليس فضيحة ولا حتى خطيئة بالعرف الاجتماعي إذا مكثت طي الكتمان, ملفوفة برياء ملائكي طهراني, بل وقد ينال محترفها احتراماً بالغاً لو أشهر سيف الفضيلة وحارب به, كل من يتطاول على الأخلاق والقيم. أما الصادق فعلاً فهو بعرفنا الأخلاقي ليس سوى مخبول, غشيم أو غبي لا يجيد فن التورية والتعمية والتمويه والتعتيم, ولا السير بين النقاط الحمراء القابلة للانفجار, إذ «للصدق» اسم آخر هو «الجرأة», وهي وإن بدت في الظاهر مديحاً, إلا أنها تنطوي على تعبير عن شذوذ أو وقاحة أو خروج على الصراط المستقيم, أي ليست حالة صحية ولا مقبولة, تماما كما هو كتاب «برهان العسل» الذي جاء شاذاً في صدقه, وقحاً في دلالاته, فحوكم على جرأته سواء كان سلباً أم إيجاباً, وقلة من النقاد أو القراء من استقبله كنص أدبي كتب بلغة لافتة للنظر بدقتها وغناها وسلاستها, ليعبر عن مشاعر دفينة وسلوكيات تعتبر سرية, تشكل البطانة المتفسخة لقيم وأخلاقيات ليس لها من اسمها أي نصيب. إنها كالجثة المخبوءة التي كانت بطلة الرواية تواجهها في كابوس متكرر: «هناك جثة مخبوءة في مكان ما والقاتلة هي أنا. الجثة خبأتها بحرص وأعيش رعب اكتشافها».

0 comments:

Post a Comment