Thursday, 5 April 2007

قوة الإعلام و قوة السلاح

مصطفى حميدو

 

هناك مسلمة كانت تطرح على الدوام و هي بأن الإعلام إذا سيطر سيطر السلاح الذي يدعمه، بمعنى أن لقوة الإعلام السبق على السلاح. ظلت هذه المسلمة قائمة فترة طويلة و ما رسخها أكثر هو سقوط الاتحاد السوفييتي ،الذي سقط إعلاميا بشكل اكبر منه عسكريا خصوصا بعد سياسة جورباتشوف الانفتاحية و التي أتاحت لوسائل الإعلام الغربية الدخول إلى المجتمع السوفييتي و تشريحه كما لم يتح لها من قبل. لعب الإعلام دورا بارزا عقب أحداث أيلول عبر حشد التأييد العالمي لمعركة الولايات المتحدة ضد القاعدة و " الأصولية الإسلامية". كان لذلك الدور تأثيرا مهما في إصباغ صبغة العدالة لكثير مما قامت به الولايات المتحدة عقب أحداث أيلول. كان الدور تبريريا بعد أن استنفذ دور حشد التأييد و أضحى المحللون (هذه المرة تحليل عكس التحريم) يعزون كل ما تفعله أمريكا إلى محاربة الإرهاب و تجفيف المنابع و إلى غير ذلك من المصطلحات التي استحدثت و استنبطت و اخترعت. مهد الإعلام أيضا للحرب على العراق عبر اختراع الكذبة تلو الأخرى و التجييش من "خطر محدق" يمثله العراق على الإنسانية و السلم و الأمن الدوليين. من عايش تلك الفترة بتفاصيلها يعرف بلا شك طرق التدليس و الكذب التي اعتمدت و التي تورط فيها الإعلام العربي سواء عن قصد: نتيجة تقاطع المصالح، أو من غير قصد:نتيجة عدم امتلاك مصادر مستقلة للخبر غير تلك الوكالات الصحفية الغربية.قامت الحرب و ليحدث مع قيامها تغيرا كبيرا في المفهوم الإعلامي العسكري. كان التلفزيون الرسمي العراقي من أول الأهداف التي ضربت في العراق بحجة أن هذا التلفزيون لا يقوم بالتغطية المهنية للحرب على العراق و أنه بوق في يد الحكومة العراقية(ضرب في الحرب الجوية الأمريكية على يوغسلافيا السابقة التلفزيون الرسمي اليوغسلافي في بلغراد العام 1999). ربما تكون المرة الأولى التي يستهدف فيها الإعلام بهذه الطريقة.استهدفت في تلك الحرب قنوات تلفزيونية عربية أرادت أن تعطي الفرصة للعراق ليعبر عن رأيه فيما يحدث. الجزيرة (التي استهدفت سابقا في أفغانستان) و قناة أبو ظبي استهدفتا إضافة إلى مراسلين أجانب قتلوا في استهداف أمريكي واضح و ما زالت أصداؤه ماثلة في الأذهان حتى الآن. لقد رسخ استهداف الولايات المتحدة للإعلام في حرب العراق مسلمة تخالف الأولى التي أشرنا إليها في بداية المقال و هو بأن السلاح هذه المرة هو الأنجع للسيطرة و تاليا يلحقه الإعلام. فالإعلام الأمريكي في تلك الحرب لم يكن مهنيا بأي معيار كان ، بل كان جله مسخرا لخدمة السلاح الأمريكي و ردة فعل للساسة و العسكريين الأمريكيين حتى أن واحدا من كبار أصحاب الإمبراطوريات الإعلامية في العالم و هو روبرت مردوخ   جند قناة الفوكس الأمريكية لخدمة سياسة البيت الأبيض على طول الخط طوال الحرب و ما يزال. نفس المشهد تكرر في حرب تموز الأخيرة في لبنان. فالإعلام الإسرائيلي أيضا جند هو الأخر لخدمة الآلة العسكرية الإسرائيلية و حشد التأييد لها و ليضرب إعلام المقاومة لأنه -و حسب التبرير الإسرائيلي- إعلام غير مهني يروج الدعاية فقط للمقاومة. ما أود قوله هو أن منطقا جديدا يمكن أن يستنتج من كل الأحداث الماضية و هي بأن القوة تصنع الإعلام و أن الإعلام لا يصنع قوة مهما بلغت قوة هذا الإعلام و سطوته و نفوذه لأن القوة هي القوة في الميدان وليست القوة في الكلام و هذا ما أثبتته الحرب الأخيرة في لبنان و قبلها حرب العراق.

0 comments:

Post a Comment