Tuesday, 23 January 2007

هكــذا انتهـــت الـــديغــوليــة فـي فــرنســـا

عيسى الأيوبي
الوطن السورية
من يتابع الخطاب السياسي لمرشح الديغوليين في فرنسا السيد نيكولا ساركوزي يرَ فيه، من دون شك، خطاباً جديداً وحماسياً يشبه خطابات القيادات الشعبية الثورية في بدايات القرن، ولا شك أن السيد ساركوزي خطيب مفوه.

من يدخل في المضمون يرَ فيه أيضاً خطاباً ثورياً وتجديدياً في فرنسا سواء على الصعيد الداخلي أو على صعيد العلاقات الدولية. ويبدو واضحاً أن هذا الخطاب ليس له علاقة بالخطاب السياسي الديغولي الذي وسم السياسة الفرنسية منذ الستينيات.
فالخطاب والمشروع السياسي الديغولي وسم الحياة السياسية الفرنسية في الداخل والخارج ولم تستطع الحكومات المتعاقبة نقضه، وإن حاول غير الديغوليين القول إن لهم مشروعهم الخاص، لكنهم سرعان ما تقاطعوا مع مرتكزات السياسة الديغولية في الداخل والخارج في الثقافة والاقتصاد والسياسة الخارجية، خاصة ما يخص ملفات أساسية كالشرق الأوسط والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وفي ملفات الداخل كالحرص على الدولة الضامنة والحاضنة.
وغير الديغوليين الذين حكموا فرنسا بعد ديغول سواء الليبراليون أمثال فاليري جيسكار ديستان أو الاشتراكيون والمتناقضون سياسياً مع اليمين ومع الجنرال في الداخل وقد حكموا البلاد ١٤ عاماً ومر العالم خلال حكمهم بمفاصل وتغييرات جوهرية، حرصوا على المبادئ الديغولية الأساسية في حكمهم، فهم يعتقدون أنها مبادئ فرنسية بامتياز وأنها تعبر بالضبط عن البنية الذهنية – الفكرية للفرنسيين كما أنها تمثل الهوية الفرنسية ولا يجوز تغييرها بل التطوير من ضمنها.
ويبدو واضحاً أن السيد ساركوزي كان جريئاً جداً بأن وضع هذه المبادئ جانباً وأعلن مخططاً لا يحمل أي سمة من سمات الديغولية، رغم أنه نما وظهر وترشح في حضن الديغوليين ووصل إلى مناصب سياسية ما كان ليصلها لولا هذه الديغولية الحاضنة فنادر جدا من الجيل الأول للمهاجرين( فهو ابن مهاجر يهودي هنغاري)، من استطاع الوصول إلى هذا الموقع في الحياة السياسية الفرنسية وهو أمر مثير للتساؤل حول الوسائل والأدوات والماكينات التي كانت وراء هذا الصعود اللافت له، حيث لا يمكن تفسير كل هذا بالدينامية الشخصية أو النشاط الهرموني ولا المنشطات الطبية بل يبدو أن وراء ما هو منظور شيئاً آخر ليس بعيداً عن مشروع دولي قديم يخص القارة العتيقة والعالم القديم عموماً.
فإذا كان الاشتراكيون واليسار الفرنسي يطرحون مشروعاً متوافقاً مع بنيتهم الفكرية وتصوراتهم للعالم من منطلقات يسارية معروفة مسبقاً سواء على الصعيد الداخلي أم الخارجي فإن ما جاء به السيد ساركوزي شكل مفاجأة لبعض الأوساط ولكن المفاجأة الأكبر هو في اصطفاف العديد من الديغوليين حوله رغم طروحاته المتناقضة مع المبادئ الديغولية والفرنسية عموماً خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط وإسرائيل والولايات المتحدة.
البعض يعتقد أن أحد أسباب انتهاء الديغولية في فرنسا يعود للرئيس جاك شيراك نفسه، خاصة في السنتين الأخيرتين الحاسمتين في الحياة السياسية الفرنسية بعد أن انقلب هو نفسه عن خطه الذي رسمه وفق المبادئ الديغولية وقد وضع أول إسفين في نعش الديغولية في فرنسا، وفتح المجال للكثيرين للاعتراف بأن الديغولية، عملة قديمة يجب تغييرها. ولم يستطع الرئيس شيراك الدفاع عن سياسته الجديدة المفاجئة خاصة في الشرق الأوسط فهو لم يستطع الحصول على أي مكسب منها، وخسر ما كان قد كسبه في السابق، وراهن على الأحصنة الخاسرة في المنطقة وتخلى عن سياسة الانفتاح والتفهم والتفاهم، وتحولت فرنسا إلى طرف في نزاعات محلية ضيقة، ووضع فرنسا في موقع ليس لها في أزقة بيروت وأعاد الروح لأحصنة الولايات المتحدة الأميركية، وفتح المجال أمام إعادة النظر بالديغولية عموماً والانقضاض عليها من أعدائها ومنتقديها وهم في فرنسا ليسوا من الاشتراكيين بل ممن تغلغلوا في صفوف الديغوليين وجاء دورهم الحاسم في خلط الأوراق وقلب الطاولة.
واعتقد البعض في البدء خاطئين أن التغيير السياسي للرئيس شيراك في الشرق الأوسط وخاصة في لبنان وسورية مسألة بسيطة وتفصيل صغير، فهذا الشرق مرآة توازن القوى في العالم ومرآة لمناهج التفكير، والتحالفات حوله لا يمكن أن تكون تفصيلاً بل نقاط تحول كبرى في العالم والتاريخ هكذا كان وهكذا سيكون.
والرئيس شيراك وتحالفاته الجديدة في الشرق المبنية على علاقاته الشخصية ومشاعره وعواطفه وبعض من مصالحه جعلت موقعه كرجل دولة موضع تساؤل، والكل في فرنسا لا يزال يتساءل حول سبب انفعاله وخروجه عن أي مألوف في أدبيات التعامل الدولي يوم حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وكيف دخل بيروت من النافذة وخرج منها. والبعض يعتقد أن سبب هذا الانفعال هو شعور بالذنب الكبير الذي ارتكبه بحق هذا الرجل ضحية القرار ١٥٥٩ الذي كان الرئيس شيراك فخوراً به كإنجاز رغم أن هذا القرار بحد ذاته خروج عن أبسط قواعد ومبادئ الديغولية.
بالطبع لم يكن الجميع في فرنسا راضين عن سياسة شيراك العربية في بداية عهده فحاربوه وحاربوها وهم أنفسهم عادوا وامتطوا التغيير السياسي للإجهاز نهائياً على الديغولية في فرنسا وتردداتها في العالم الناطق بالفرنسية والمتأثر بها وبمبادئها.
بهذا لا يمكن اتهام السيد ساركوزي بأنه المسؤول الوحيد عن سقوط الديغولية وبالتأكيد لا يمكن اتهام اليسار بأنه السبب فهذا اليسار وقف مع شيراك في سياسته العربية طوال ١٠ سنوات، وهذا اليسار أعطى أصواته للتجديد للرئيس شيراك الذي كان أول رئيس لفرنسا يحصل على ٨٢ ٪ من أصوات الناخبين بنتيجة تشبه نتائج انتخابات الرؤساء في العالم الثالث الذي يريد الرئيس الأميركي بوش تغييره وإعادة تنظيمه كما يقول. واليسار كان دائماً موجوداً لتكتمل صورة فرنسا به.
ولكن السؤال المطروح الآن: ماذا بعد خروج الديغولية من اللعبة السياسية الفرنسية؟. أي مصير سياسي للرئيس شيراك؟ خاصة أن من راهن عليهم الرئيس شيراك خلال السنتين الماضيتين لن يستطيعوا إنقاذه وأن هؤلاء ليسوا مهتمين بمصير الديغولية ولم يكونوا يوماً كذلك. بالمقابل في هذا «الشرق الأوسط العربي» ماذا سيكون مصير الذين راهنوا على الرئيس شيراك وأخرجوه عن محوره وقدم لهم سياسة بلاده ضحية على مذبح وفائه وقاده هذا الوفاء إلى هذا المآل. الجواب قد يكون بسيطاً عندهم بساطة تغييرهم لمبادئهم كما يغيرون قمصانهم.



0 comments:

Post a Comment