Sunday, 21 January 2007

البقعة السوداء

رضوان زيادة

عندما دخلت مكتب منظمة «صحفيون بلا حدود»، وجدت خريطة ضخمة تشمل جميع دول العالم، وتميز الدول بالألوان بحسب حرية الصحافة الممارسة فيها، تبدأ الألوان من اللون الأبيض الذي يميز البلدان الأكثر احتراماً للحريات الصحفية وتنتهي باللون الأسود ويشمل الدول الأشد انتهاكاً للحريات الصحفية. وبينهما لونا البرتقالي والأحمر كمؤشر على مقياس هذه الحريات على اختلاف الأنظمة السياسية الموجودة.لا تحتاج إلى أي عناء لتكتشف وعن بعد موقع البلدان العربية على الخريطة، إذ بإمكانك أن تميز موقعها بسهولة، فهي مطلية باللون الأسود مع الصين.ومع اختلاف درجات الحريات الصحفية بين بلد عربي وآخر، إلا أنها تشترك في أنها مقيدة للحريات الصحفية بشكل عام، ولا تلعب الصحافة فيها دوراً رقابياً وتوعوياً إن لم نقل حاسماً في تشكيل وعي العربي اتجاه حقوقه وحرياته الأساسية.لا أدري لماذا شعرت بالألم على الرغم من أن هذه الحقيقة لا تخفى على أحد أبداً، بل أصبحت شديد التعايش معها ولاسيما هنا في سورية؟ لكن لا أدري لماذا عندما تقارن نفسك ضمن مؤشر التنمية الإنسانية العالمي وتجد نفسك في المؤخرة فإنك تشعر بإحساس غريب من انعدام الأمل مختلطاً بالبؤس ومترافقاً بالإحباط لما أصبح حقاً غير قابلٍ للتفاوض في معظم بلدان العالم، لكن الأنظمة العربية ما زالت ترى في الحريات الصحفية مصدر تهديد وجودي مؤثر على استقرارها المزمن؟لقد عرّف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته (19) حرية الرأي والتعبير بأنها «حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة دون تقيد بالحدود الجغرافية»، على حين أشار العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966 إلى أنه «لكل فرد الحق في حرية التعبير وهذا الحق يشمل حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار من أي نوع واستلامها ونقلها بغض النظر عن الحدود، وذلك إما شفاهة أو كتابة أو طباعة سواء كان ذلك في قالب فني أم بأي وسيلة أخرى يختارها».لكن السلطة التنفيذية غالباً ما تحاول أن تطغى على المجال العام عبر ممارساتها السلطوية المختلفة والتي تفضل أن تتم بأقل قدر من النقد والتركيز تحت الأضواء، على حين تجد الصحافة ووسائل الإعلام نفسها في مرحلة الدفاع عن النفس أمام هجوم السلطة التنفيذية وعدم انطوائها تحت رغباتها.لكن حرية الرأي والتعبير ليست مجرد حق فردي كما يتصور البعض، بل إن لها علاقة بإدارة الفرد لذاته أو حكم المجتمع لنفسه، إنها ليست مجرد حق فردي معزول، إنما ترتبط بالنظام العام عبر خمس طرق على الأقل، هي: 1- الكلام هو وسيلة للمشاركة وهو الوسيلة التي عن طريقها يناقش الناس قضايا اليوم، ويدلون بأصواتهم، ويشاركون بنشاط في عمليات وضع القرار التي تشكل المجتمع ونظام الحكم. 2- ترتبط المصلحة الثانية لحرية الرأي بحكم الناس لأنفسهم، إذ هي تتيح بشكلٍ أفضل السعي لمعرفة الحقيقة السياسية، وهذه المصلحة تخدم كلاً من الجماعة والفرد. 3- تخدم حرية الرأي الوصول إلى حكم الأغلبية، فهي وسيلة لضمان أن صنع القرار السياسي بطريقة جماعية يمثّل أكثر درجة ممكنة من الإرادة الجماعية للناس. 4- تتجلى المصلحة الرابعة التي تتيحها حرية الرأي في كبح جماح الطغيان والفساد والعجز في الأداء، ففي معظم فترات تاريخ العالم كانت الدولة تفترض أنها تؤدي دور الرقيب المحسن الحازم على أساس أن حكم الناس بحكمة ينبع من مراقبة آرائهم بحكمة. 5- أما القيمة الخامسة لحكم الناس لأنفسهم التي تحققها حرية الرأي هي الاستقرار. فالصراحة تساعد على تحقيق الديمقراطية، ذلك أن المجتمع يصبح أكثر استقراراً وأكثر حرية في المدى البعيد إذا سادت قيم المصارحة.وهكذا فالمدخل التنموي غالباً ما يرتبط بممارسة هذا الحق.وإلى أن تنتقل الدول العربية من اللون الأسود إلى الأبيض على خريطة الحريات الصحفية أتمنى أن تكون سورية في مقدمة هذه الدول لأنها اليوم وللأسف تكاد تكون حرياتها الصحفية الأكثر سواداً.

0 comments:

Post a Comment