Friday, 16 December 2005

لبنان وسورية: خمس ملاحظات


لبنان وسوريا: خمس ملاحظات
جوزف سماحة

تتردى العلاقات اللبنانية السورية. هناك من شرع يتحدث عنها مستخدماً لغة <<حربية>>. بات منع التدهور يقتضي وساطات. الحوار المباشر مقطوع. ليس ممكناً، في الأفق المنظور، إنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذه ملاحظات حول الوضع الراهن، والمحتمل، لهذه العلاقات. تحاول هذه الملاحظات أن تكون باردة في ظل إدراك صعوبة ذلك، وفي ظل الدم المسفوح، وفي ظل تعاظم الانطباعات المتبادلة عن انعدام الصلة بين الشرور المضمرة والنوايا المعلنة. أولاً لا ينعكس التوتر اللبناني السوري بالطريقة نفسها على كل من البلدين. ففي لبنان يتحول هذا التوتر إلى تصدع داخلي أو إلى ما يشبهه مما لا تسمح بإخفائه أهازيج الوحدة الوطنية. ليست هذه دعوة إلى التصدع وإنما تقرير في شأن وجوده. أما في سوريا، وبقدر ما نملك من معطيات، فإن التوتر نفسه يستثير قدراً من التماسك الداخلي يبقى مشوباً بعيوب كثيرة ولكنه، بالتأكيد، أقوى من السابق. إن ما نشهده، موضوعياً، هو أن الوطنية اللبنانية تتأزم لدى اصطدامها بسوريا في حين أن الوطنية السورية تشتد عند اصطدامها بلبنان. يطيب للبعض تفسير هذا التباين بأنه نتيجة للطبيعة <<الديموقراطية>> للنظام اللبناني وهي <<طبيعة>> يصعب إسباغها على النظام السوري. إلا أن هذا التفسير، على وجاهته، لا يحل مشكلة. وهو فوق ذلك، قاصر. لقد سبق للنظام السوري أن دخل في منازعات مع جيران وأشقاء من غير أن نشهد هذه الظاهرة. لا بل لقد حصل العكس. ففي النزاع السوري الفلسطيني ازداد الفلسطينيون وحدة في حين أمكن تسجيل تباعد بين السياسة السورية الرسمية وبين المزاج الشعبي. ويمكن قول الشيء نفسه في حالة سوريا والعراق إبان أزمة مطلع التسعينيات. يتوجب علينا، في لبنان، أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا لأنه سؤال تترتب نتائج سياسية على أي جواب عنه. وربما كان الجواب هو أن طبيعة الأزمة اللبنانية السورية توفر فرصة للقول إن التوتر الفعلي ليس، بالضبط، بين سوريا ولبنان وإنما بين سوريا وقوى خارجية تحرّك الخيوط في لبنان. القول بأنها توفر فرصة لا يعني الجزم أن هذه الفرصة قائمة فعلاً. ولكن التنبيه إلى ذلك ضروري حتى لا نستغرق الوقت في بحث طويل عن صحة ما تعرّض إليه عمال سوريون في لبنان. فالقضية ليست هنا. ثانياً إن للقوى اللبنانية الداخلة في اشتباك مع النظام السوري رواية عن تقدير الوضع القائم. فهي تقول إن لبنان يتعرض إلى هجمة سورية تأخذ طابعاً أمنياً تفجيرياً، وتستفيد من علاقات لدمشق مع قوى في <<الداخل>>. ومن أسباب هذه الهجمة أن النظام السوري لم يستوعب تماماً أن لبنان بات بلداً مستقلاً، أو أنه يريد تدفيعه ثمن هذه الرغبة في الاستقلال. وهناك من يضيف أن الهجمة تعبير عن نية سورية في استعادة الفردوس المفقود وبما أن هذه النية مقموعة، بعد سنوات من التحكّم المطلق، فإنها تترجم نفسها إرهاباً وتخريباً وثأراً. صحيح أن في لبنان من يعيد أزمة العلاقات إلى 2004 أو إلى 2000 أو إلى 1990 أو إلى 1975... ولكن الصحيح أيضاً أن القوى الداخلة في اشتباك تعتبر نفسها، ولبنان، في موقع دفاعي خالص بدليل أنها تطالب بأفضل العلاقات بين الشعبين! ثالثاً تقول الرواية السورية الرسمية إن لبنان تحوّل إلى مقر وممر للتآمر والهجوم على سوريا الوطن والنظام. فلبنان إذ يتوجه إلى المجتمع الدولي ليطالبه بأقصى العدالة، وبالاقتصاص من القتلة والمرتكبين والمتورطين، فإنه يحوّل نفسه إلى مطية يستخدمها أعداء سوريا من أجل الضغط على النظام وتهديده بالسقوط. يمكن لهذه الرواية أن تبرّئ أفراداً وقادة ومسؤولين لبنانيين، وأن تنسب إليهم النوايا الطيبة، ولكن ذلك لا يغيّر شيئاً في التقدير السوري القائل بأن دولاً تريد تصفية الحساب معها تتلطى وراء <<التحقيق>> و<<الحقيقة>> من أجل تمرير مشاريعها. وتراقب دمشق كيف أن لبنانيين يصابون بهلع عندما تشيع أنباء <<صفقة>> ما، ويتذرعون بخوفهم من أن تطال الوضع اللبناني، في حين أن مصدر خوفهم الفعلي هو احتمال نجاة النظام السوري من الحصار. تقول الرواية السورية، باختصار، إن هناك في لبنان من يدفع نحو سياسة تنهض على أساس أن الخلاص اللبناني هو في دمار سوريا أو إسقاط نظامها. ما لا تقوله الرواية نفسها هو أن لا عجب، والحالة هذه، أن يكون الرد عنيفاً. رابعاً ربما كانت الحقيقة مركبة. ربما كانت في مرتبة وسطى بين الروايتين. وربما كان على اللبنانيين أن يصارحوا أنفسهم أكثر أو أن يحتملوا، على الأقل، مصارحة. نعم إن لبنان، بمعنى ما، هو في حالة هجومية حيال سوريا. ونعم إن لبنان هو، بمعنى آخر، في حالة دفاعية حيال سوريا. إذا كان ما تقدم صحيحاً، وهو، على الأرجح صحيح، يفترض الاستنتاج أن الوضع لن يستقيم لأنه لا يولّد نهجاً قابلاً لاستيلاد نتائج. علينا، في لبنان، أن نقرّر. إذا كنا في حالة هجومية فهذه لها مترتبات تبدأ بتنظيم آخر للوضع الداخلي ولا تنتهي بنقل المعركة إلى الداخل السوري. نحن في حالة عجز فعلي عن الوفاء بهذه المترتبات مهما بالغ البعض في البهورة. إن غيرنا هو الموجود في حالة هجومية حيال سوريا. وهذا <<الغير>> يستند في سياسته إلى مطالب نرفعها نحن، وهي مطالب يمكنها أن تكون عادلة. إذا كنا في حالة دفاعية فواجبنا هو التواضع من أجل تظهير هذه الحالة. والمعنى السياسي للتواضع هو أن نضبط كل مطالبنا حيال دمشق بحيث لا تتجاوز كثيراً مطلب تحصين الوضع الداخلي اللبناني بعد الحدث التاريخي المتمثل بانسحاب القوات السورية من لبنان. إن المطلوب هو ترجمة هذا التواضع، مع ما قد يعنيه من خفض مستوى مطالب يعتبرها البعض عادلة، إن المطلوب زيادة منسوب تعريب العلاقة على منسوب تدويلها. لذلك يجب التفكير ملياً في معاني التدويل وقطع الطريق، بسرعة، على تبلور أي موقف يمكنه الاندفاع نحو المطالبة بقوات حماية أجنبية. ما هو المغزى السياسي لطلب حماية دولية؟ إن لبنان مسوق، رغماً عنه ربما، نحو التحول إلى منصة تطويق لسوريا. لكن لبنان مكشوف ويعاني من تصدع داخلي ويجد نفسه عرضة لردود سورية. إن طلب الحماية يعني تحميل <<المجتمع الدولي>> مسؤوليته بحيث يصبح شريكاً في تلقي الردود بدل أن يكون مستفيداً فحسب من الخلاف اللبناني مع سوريا، ولكن توفير الحماية يحرر لبنان، إذا بقي موحداً، من أي وازع، ويجعله قادراً على مواكبة الحملة الدولية على دمشق. إن <<الحماية>> هنا دفاعية شكلاً لكنها، في العمق، إشارة الحسم في انتقال لبنان إلى الهجوم. خامساً إن الإقدام على إعادة تحديد ما يسعى لبنان إليه من سوريا عبر <<المجتمع الدولي>> قد لا يكون كافياً من أجل أن يتوقف التدهور في العلاقات، ومن أجل قمع أي رغبة ثأرية قد تراود أحداً في دمشق. هذا صحيح. لكن هذه الخطوة ضرورية، مع أنها قد لا تكون كافية، من أجل إبطاء هذا الاتجاه الذي يبدو محتوماً نحو الهاوية.

0 comments:

Post a Comment